القائمة

انسحاب أمريكا من اليونسكو: تراجع في قيادة الثقافة العالمية أم صراع نفوذ؟

غرفة الأخبار 8 أشهر مضت 0 5.7 ألف

في خطوة أثارت ردود فعل متباينة، أعلنت الإدارة الأمريكية في 22 يوليو 2025 انسحابها رسميًا من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، على أن يدخل القرار حيّز التنفيذ مع نهاية ديسمبر 2026. ورغم أن الانسحاب ليس الأول من نوعه – إذ انسحبت واشنطن سابقًا في 1984و2017 إلا أن هذه الخطوة تأتي في سياق دولي مختلف، تزداد فيه حدة الاستقطاب بين القوى الكبرى، بينما تحاول المنظمات الدولية الحفاظ على دورها كمظلة ثقافية جامعة.
دوافع القرار: فلسطين، الصين، و”أجندة اليقظة”… بررت واشنطن قرارها بعدة اعتبارات، أبرزها ما وصفته بـ”التحيز الهيكلي” داخل اليونسكو لصالح القضايا الفلسطينية، خاصة منذ قبول فلسطين عضوًا كاملًا عام 2011، وهو ما أثار حفيظة الإدارات الأمريكية المتعاقبة. كما اعتبرت إدارة ترامب (التي عادت إلى السلطةمطلع 2025) أن المنظمة باتت تروّج لما تسميه “أجندة الاستيقاظ الثقافي” (Woke Policies)، المتمثلة في مبادرات العدالة العرقية والمساواة الجندرية والتنوع، ما يتناقض – بحسبها – مع القيم الأمريكية التقليدية… إضافة إلى ذلك، عبّر البيت الأبيض عن قلقه من تصاعد النفوذ الصيني داخل المنظمة، معتبرًا أن اليونسكو باتت منصة لترويج رواية بكين الثقافية على حساب القيم الغربية الليبرالية.
تأثيرات مباشرة: فراغ مالي، وارتباك ثقافى وفق تقديرات خبراء من جامعة ديبول الأميركية ومراكز بحثية أوروبية، فإن انسحاب واشنطن – رغم أن مساهمتها المالية لا تتجاوز 8% من الميزانية السنوية – سيترك أثرًا في مشاريع محددة، خاصة تلك التي تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة، أو التي كانت الولايات المتحدة شريكًا فنيًا فيها، مثل برامج حماية مواقع التراث من التغير المناخي، والتعليم الرقمي في مناطق النزاع… تقول البروفيسورة باتي غيرستنبلث، خبيرة القانون الثقافي، إن “القرار لن يوقف أنشطة اليونسكو، لكنه سيضعف تمويلها طويل الأمد، ويقلّص من قدرتها على إدارة ملفات تراثية دقيقة بتوازن دبلوماسي”.
مواقف دولية متباينة: أوروبا تدافع، والصين تتقدم… أوروبا – وخاصة فرنسا وألمانيا – عبّرت عن أسفها الشديد للقرار، مشددة على أن انسحاب الولايات المتحدة يُفقد المنظمة شريكًا رئيسيًا كان تاريخيًا في صلب تأسيسها عام 1945.لكن القلق الأكبر ليس في غياب واشنطن، بل في ما سيملأ الفراغ… فهنا تأتي الصين، التي لم تخفِ طموحاتها لتوسيع نفوذها في المنظمات الدولية، وتعتبر أن حماية “التراث العالمي” ينبغي أن يعاد تعريفه بما يتفق مع رؤيتها الحضارية متعددة الأقطاب. ويرى مراقبون أن انسحاب واشنطن يمنح بكين فرصة لتشكيل سياسات ثقافية عالمية تتماشى مع مشروع “طريق الحرير الجديد”.
الاتحاد الإفريقي: بين الاحتياج والقلق… أبدت مؤسسات ثقافية تابعة للاتحاد الإفريقي قلقها من تأثير الانسحاب الأمريكي على تمويل برامج اليونسكو في القارة، خصوصًا تلك المرتبطة بالتعليم الأساسي، ومحو الأمية، وتمكين الفتيات في المناطق الريفية. وقد دعت دول مثل غانا وكينيا إلى ضرورة إيجاد مصادر بديلة للتمويل لضمان استمرار المبادرات القائمة.
الموقف العربي والمصري: صمت رسمي وتقديرات حذرة … رغم أهمية الحدث، التزمت العواصم العربية – حتى لحظة كتابة المقال – الصمت الرسمي حيال القرار الأمريكي. ومع ذلك، فإن بعض المقالات والتحليلات الإعلامية في الصحف الخليجية والمصرية عبّرت عن قلقها من أن يكون هذا القرار تمهيدًا لمزيد من التسييس داخل المؤسسات الأممية… بالنسبة لمصر، التي تعد من الدول المؤسسة لليونسكو وصاحبة أكبر عدد من مواقع التراث العالمي في المنطقة، لم يصدر عنها أي بيان رسمي. لكن المتابعين للملف الثقافي المصري يرون أن القاهرة تراقب بحذر، خاصة في ظل مساهمات أمريكية سابقة في مجال ترميم الآثار، وتمويل بعثات بحثية، وبرامج حماية الملكية الثقافية من التهريب.
هل هو انسحاب من التعددية الثقافية؟
يرى عدد من الخبراء أن الانسحاب الأمريكي يتجاوز مجرد الخلافات مع السياسات الثقافية أو المالية لليونسكو، ليعبر عن تراجع أكبر في التزام واشنطن بالمؤسسات متعددة الأطراف، في انسجام تام مع عقيدة “أمريكا أولاً” التي تهيمن على سياسة ترامب منذ 2016… ويرى البروفيسور ساوير، الباحث في العلاقات الدولية، أن “أخطر ما في القرار الأمريكي هو رمزيته: رسالة بأن واشنطن لم تعد تؤمن بالنظام العالمي الذي أسسته”.
مصر بين الفرصة والتحدي …تمتلك مصر فرصة لإعادة التموقع داخل المنظمة، وللعب دور توازني في مرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي، خاصة في ظل تنامي التعاون الثقافي مع فرنسا وإيطاليا، وإمكانية فتح مسارات مشتركة مع الصين ودول جنوب شرق آسيا. غير أن هذا يتطلب يقظة دبلوماسية، واستثمارًا مستمرًا في الشراكات الثقافية غير المشروطة

انسحاب الولايات المتحدة من اليونسكو لا يُعيد رسم المشهد الثقافي العالمي فحسب، بل يكشف عن صراع نفوذ أعمق من مجرد خلاف مالي أو إداري. وفي عالم يتغير بسرعة، يبقى السؤال: هل يمكن لمنظمة ثقافية أن تحافظ على دورها في زمن الاستقطاب؟

magy-news@hotmail.com

كاتب

  • تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

كتب بواسطة

تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *