وثائق مذبحة البوسنة

مذبحة مُسلمي البوسنة أسقطت حكومة هولندا | شاهد على العصر

كتب | رئيس شبكة تايم نيوز – سعيد السبكي

كنت في ظهر يوم الثلاثاء السادس عشر من أبريل عام 2002 في مركز الإعلام الدُّوَليّ الملاصق لمقر الحكومة الهولندية في مدينة لاهاي حينما أعلنت الإدارة السياسية الهولندية استقالتها بسبب مذابح مسلمي البوسنة، حيث أعلن وقتها رئيس الوزراء الهولندي ” فيم كوك ” استقالة حكومة يسار الوسط التي يرأسها اثر تقرير رسمي إنتقد سياسة لاهاي خلال الأحداث التي أدت إلى سقوط جيب سريبرينيتسا البوسني في 11  يوليو 1995.
وأعلن كوك للصحافيين وكُنت أحدهم  لدى خروجه من ” اجتماع أزمة ”  خصصته الحكومة لدراسة تقرير رسمي عن سقوط جيب سريبرينيتسا ” أنه سيذهب لمقابلة ملكة هولندا لتقديم استقالة كافة الوزراء”.
وكان تقرير قد نشر في 10  أبزيل من قبل ” المعهد  الهولندي لوثائق الحرب ” قد خفف من مسؤولية قوات القبعات الزرقاء الهولنديين المكلفين بحماية الجيب المسلم غير انه اتهم ساسة تلك الحقبة بانهم دفعوا بالجنود إلى “ما وصفته بالمُهمة المُستحيلة”.
وجاء في التقرير الذي اتهم أيضا الأمم المتحدة أن “الاعتبارات الإنسانية والطموحات السياسية دفعت هولندا إلى الاندفاع في مهمة غير محسوبة وغير قابلة للتحقيق عمليا”.
وأدى استيلاء قوات صرب البوسنة على جيب سريبرينيتسا البوسني المسلم في 11 تموز/يوليو 1995 والمجازر التي تبعته الى مقتل 7500 مسلم، يفترض انه تم اغتيالهم على ايدي القوات الصربية.
وكان الجيب عند سقوطه رسميا “منطقة امنية” تتبع الأمم المتحدة وتحت حماية وحدة القبعات الزرق الهولندية، وعلى الرغم انه كان  لهذه الاستقالة دلالات رمزية قوية إلا أنها لم تؤثر على الحياة السياسية الهولندية.

 اطلعت في حينه على بحث ودراسة مُستفيضة  للمعهد الهولندي الذى يقوم بتوثيق مرحلة ومُستندات الحرب، وهو جزء من دراسة لذات المعهد  تم تنفيذها  نيابة عن الحكومة الهولندية، بهدف تقديم تقرير تاريخي مُستقل للأحداث قبل وأثناء وبعد سقوط “المنطقة الآمنة” في سريبرينيتشا في يوليو 1995. والغرض الرئيسي كان المساهمة في فهم الأسباب والظروف التي أدت إلى سقوط سريبرينيتشا وما تلاها من أحداث مأساوية، ولا سيما الدور الذي لعبته الكتيبة الهولندية التابعة للأمم المتحدة خلال هذه الأحداث.

شكل المعهد  الهولندي لوثائق الحرب  فريق تحقيق بدأ في نوفمبر 1996. وكان قد تقرر في مرحلة مُبكرة أن هناك حاجة إلى دراسة حول السياق المحلي والتاريخي ذات الصلة ، والذي يفتقر الفريق إلى الخبرة فيه. تم إسناد هذا الجزء من البحث ، أي جمع وتحليل المصادر المحلية عن البوسنة وسربرينيتشا، ومُعظمها باللغة الصربية الكرواتية، إلى  ” مدرسة الدراسات السلافية وأوروبا الشرقية في لندن، كان الهدف هو الحصول على فهم أفضل للخلفية الثقافية والتاريخية لأحداث يوليو 1995.

ونظرًا لمعرفتي بالزميل الصحفي ” داويزنجس ” الباحث الاستقصائي وخبرته بعلوم الأنثروبولوجية والتاريخية والعمل الميداني في يوغوسلافيا السابقة، والذي تم  تعيينه لإجراء هذا البحث حصلت على مستندات تفصيلية ونتائج الدراسة التوثيقية حوالي 30 ألف صفحة كتاب من القطع المتوسط.

تضمنت بعض من جوانب الدراسة تسليط الضوء على أحداث معينة بالإضافة لبعض السمات الاجتماعية والثقافية للمنطقة والتي تعتبر مهمة لفهم أحداث المنطقة في يوليو 1995. في سياق تطور الحرب في سريبرينيتشا وما حولها بين عامي 1992 و 1995. ومعرفة ما قامت به قوات القبعات الزرقاء الهولندية في ظل ممارسة مهام أعمالهم، ومدى خبراتهم وتصورهم للأوضاع .

تشكلت نقطة البداية لهذه الدراسة الفرعية من خلال قضيتين مهمتين. الأولى: هي الحاجة إلى فهم سبب قيام الصرب بقتل الرجال المسلمين بشكل جماعي بعد الاستيلاء على سريبرينيتشا. وكانت الأسئلة الرئيسية: كيف يمكن تفسير عملية القتل الجماعي؟ لماذا حدث هذا في سريبرينيتشا؟ هل هناك إرث تاريخي معين ، أو ذكريات عن عنف مشابه ، أو ربما ظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية معينة ، أو بعض التقاليد الثقافية الراسخة التي تجعل احتمال وقوع مثل هذه الفظائع واسعة النطاق في هذه  المنطقة أكبر مما هو عليه في التاريخ والذاكرة في شرق البوسنة أجزاء أخرى من يوغوسلافيا السابقة؟ أم يجب أن نركز على الأحداث الأخيرة ، خاصة في بداية الحرب ، عندما مهدت محاولات الصرب للسيطرة على شرق البوسنة وتطهير المنطقة من سكانها المسلمين الطريق لدائرة مفرغة من العنف والانتقام؟

كانت القضية الثانية المهمة هي الحاجة إلى اكتساب فهم أفضل لطبيعة العلاقات بين الجنود الهولنديين والسكان المسلمين في سريبرينيتشا. في حين أن التوترات والعداوة بين الهولنديين والمسلمين كانت ظاهرة شائعة، أو كانت ناجمة عن كراهية سابقة للمسلمين أو مشاعر بين الهولنديين ، أو كانت نتيجة لمجموعة معقدة من الإجراءات والتفاعلات بين الجنود الهولنديين ، السكان المسلمون والعلاقات الصربية ومحاصرو المدينة؟ كيف تعامل السكان المحليون مع الأمم المتحدة الهولندية؟ وهل كانت هناك خلافات في تلك المنطقة مثلا بين المسلمين والصرب؟ وكان هدفها الرئيسي شرح هذه القضايا من منظور شرك بناء على مصادر محلية. ‏

التقرير الرئيسي لـ ” المعهد  الهولندي لوثائق الحرب ” تطلب الوصول إلى المحفوظات وغيرها من المصادر (السرية) التي تم توفيرها لـلمعهد  من قبل أطراف ثالثة ، ، بينما تم تضمين النتائج التي توصل إليها الباحث الاستقصائي  بشأن فترة المنطقة الآمنة ،  والمنتهج الذي يبحث في التفاعل الاجتماعي والمشاكل اليومية وأنشطة الغوص. مجموعات من المسلمين والصرب الذين عاشوا داخل وخارج حدود المنطقة الآمنة (بما في ذلك السكان الأصليون واللاجئون: والسلطات المدنية والعسكرية لكلا الطرفين)، بدلاً من اتخاذ القرارات على رأس السلطة المدنية. والتسلسل الهرمي العسكري. كان الهدف هو إعطاء انطباع عن الحياة اليومية أثناء الحرب، أي ما هي المشاكل الأساسية التي واجهها الناس، وكيف حاولوا البقاء على قيد الحياة ، وما هي بنية العلاقات الاجتماعية والسياسية ، داخل وخارج الحرب.

تم استخدام مصادر مختلفة لإنجاز الدراسات والأبحاث كانت في المقام الأول  بذل الكثير من الجهود لجمع كل المؤلفات ذات الصلة والمصادر المفتوحة المتعلقة بسريبرينيتشا وشرق البوسنة. وعلى الرغم ان معظم هذه المواد كانت مكتوبة باللغة الصربية الكرواتية أو أحد الأشكال الثلاثة المعاصرة (الصربية والكرواتية والبوسنية) لهذه اللغات. بالإضافة إلى جمع المؤلفات الأكاديمية ، تم إيلاء قدر كبير من الاهتمام للكشف عن الإشارات إلى الأحداث في شرق البوسنة وسريبرينيتشا وبراتوناك في الصحافة البوسنية والصربية خلال الخمسة عشر عامًا الماضية تقريبًا. منذ إجراء البحث في مدرسة الدراسات السلافية وأوروبا الشرقية، ولم يقتصر الأمر على القراءات بل قام الباحث بزيارة المنطقة عدة مرات،.

كما أجرى الباحث عددًا من المقابلات، مع كل من الصحفيين والأكاديميين الذين لديهم خبرة معينة حول الوضع في البوسنة ومع المسلمين  في بلجراد وتوزيا وسريبرينيتشا ، وكذلك في هولندا، حيث عثر عدد كبير من المقيمين السابقين في سريبرينيتشا على مذبحة في براتيناك.

وعلى الرغم من الإنجاز الضخم للبحث والتوثيق إلا أن بعض المصادر كانت ومازالت لديها أسرار عم مذبحة المُسلمين فى سيربنيتسا.

مذبحة سربرنيتسا أو الإبادة الجماعية في سربرنيتسا:‏

هي إبادة جماعية شهدتها البوسنة والهرسك في الفترة من 11 إلى 22 يوليو 1995 خلال الحرب التي دارت في البوسنة والهرسك، وتُعد أسوأ مذبحة شهدتها أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. حدثت المذبحة في مدينة سربرنيتسا وقُتل خلالها 8,372 من المُسلمين البوشناق مُعظمُهم من الرجال والشيوخ والأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين 12 و77 سنة.

نفذت المذبحة وحدات من جيش جمهورية صرب البوسنة كانت تحت قيادة راتكو ملاديتش، بمُشاركة وحدة العقارب شبه العسكرية الصربية. في أبريل 1993، أعلنت الأمم المتحدة منطقة سربرنيتسا المُحاذية لنهر درينا شمال شرق البوسنة والهرسك، أعلنتها منطقة آمنة تحت حماية القُوات الأُممية.

* أبريل 2013، اعتذر الرئيس الصربي توميسلاف نيكوليتش رسميًا عن المذبحة، لكنه تفادى وصف الواقعة بالإبادة الجماعية.

* 8 يوليو 2015، استخدمت روسيا حق النقض، بناء على طلب من جمهورية صرب البوسنة، للاعتراض على قرار للأمم المتحدة يعتبر مذبحة سربرينيتشا إبادة جماعية. وصفت صربيا قرار مجلس الأمن بأنه “ضد الصرب”، بينما أكدت الحكومات الأوروبية والأمريكية أن المذبحة ترقى لمُستوى الإبادة الجماعية.

* 9 يوليو 2015، تبنى كل من البرلمان الأوروبي والكونغرس الأمريكي قرارات تُؤكد من جديد وصف المذبحة بأنها إبادة جماعية.

* 22 نوفمبر 2017، حكمت المحكمة الجنائية الدولية على الجنرال الصربي راتكو ملاديتش بالسجن المُؤبد، وأدانته بارتكاب جرائم حرب وجرائم إبادة جماعية خلال حرب البوسنة.

اتهام جديد لحكومة هولندا بالتسبب فى مجزرة “سيبرنيتشا”

عن غرفة الأخبار

تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

شاهد أيضاً

رجاء حسين | وداعاً فنانة مصر العظيمة

رحلت عن عالمنا اليوم، الثلاثاء؛ 9أغسطس/ آب فنانة مسرحية وتليفزيونية وسينمائية من جيل عمالقة زمن …

تعليق واحد

  1. عباس الصهبي

    مقال في غاية الأهمية لأنه يكشف عن «جريمة دولية»، وصلت إلى حد «الإبادة العنصرية الجماعية»، وهو ما لا يمكن أبدأ أن تنساه الذاكرة العربية، ولا الضمير العالمي؛ بالرغم من مرور 27 عاماً على أحداثها الأليمة؛ والأهم – من وجهة نظري المتواضعة؛ أن المقال كشف عن خلفيات ظلت مجهولة للعالم وللشرق الأوسط سنوات طويلة، فهو «مقال وثائقي» بالدرجة الأولى، ويصل في أهميته التنويرية لمستوى «التقارير الوثائقية» المهمة.. تحياتي المتجددة لكاتب المقال “الغاية في الأهمية”.. وشكراً له على مجهوداته التنويرية الرائدة.. نفعنا الله بفكره، وعلمه ومعلوماته، وجهوده واجتهاداته المتفردة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.