كتاب عابر الى الضباب

عابر الى الضباب | إصدار جديد لكاتب مغربي فى بريطانيا

كتب الزميل د.حسن اليملاحي فى جريدة ” أنفاس برس ” تحت عنوان : ( اليملاحي يرصد “يوميات عابر إلى الضباب” للكاتب عبد الصمد الشنتوف ) يقول :

تابعت بشغف ما يكتبه وينشره المبدع عبد الصمد الشنتوف من يوميات على صفحته الفيسبوكية. وهي تدخل من حيث النوع ضمن اليوميات، وهي – كما لا يخفى- كتابة ذاتية تتناول تجربة حياة الكاتب في زمن  مُحدد من زمن حياة الكاتب.

– تمهيد:

غني عن البيان أن هذا النوع من الكتابة قد شهد تطورا ملحوظا  في المغرب في ظل ما راكمه بعض المبدعين المغاربة من كتابات في هذا اللون، ونفكر هنا في يوميات: شاعر مر لعبد اللطيف اللعبي وخواطر الصباح لعبد الله العروي ويوميات معلم في الجبل لعز الدين الماعزي وكذا يوميات مهاجر سري لرشيد نيني… ومن دون شك فإن ظهور يوميات الكاتب عبد الصمد الشنتوف من شأنها أن تعزز هذا  النوع من الكتابة وتضفي عليها طابع التنويع والاختلاف، سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار طبيعة أحداث يوميات هذا الكاتب الجميل التي تجري في لندن عاصمة الضباب، وما تنطوي عليه من مفاجآت ومغامرات وتشويق، شدت القارئ المغربي لمتابعتها حلقة بحلقة بعد أن لقيت استحسان قراء الفيسبوك.

– في الموضوع:

 تمتد يوميات عبد الصمد على نحو أكثر من ثلاثين حلقة، وتعود البدايات الأولى لهذه الأحداث لما أخذ الكاتب  الباخرة في اتجاه إسبانيا ومن تم إلى فرنسا وإنجلترا عبر نفق بحر المانش، وهو سفر يعكس طموح وأحلام شاب مغربي ركب مغامرة السفر للبحث عن ذاته في أوروبا برفقة شباب يحملون نفس الهم.

يقول الكاتب: “استقلنا باخرة عملاقة تسمى “سي لينك” وبدأت تبحر بنا نحو بلاد الإنجليز. بحر المانش ليس هادئا مثل المتوسط ، فقد كانت الباخرة تتمايل بنا وهي تقتحم الأمواج العاتية”، (الحلقة 1). ومع أخذ القطار الأول في اتجاه شارينغ كروس بلندن سيبدأ السرد، وسيعيش القارئ مع الكاتب الكثير من التفاصيل الشخصية والنفسية والاجتماعية.

وهي تفاصيل تسافر بالمتلقي إلى إنجلترا بلد الديموقراطية والتسامح والعدالة الاجتماعية والحرية، “يتظاهر يوميا شباب بريطاني أمام المتحف الوطني للفنون بمن فيهم بعض السود احتجاجا على نظام جنوب إفريقيا العنصري، يطالبون بالمساواة بين البيض والسود..”، (الحلقة 17)، كما تسمح نفس هذه التفاصيل بما تنطوي عليه من أحداث مشوقة بالاقتراب من العديد من الشخصيات بمختلف انتماءاتها الاجتماعية والاقتصادية التي إما صادفها الكاتب أو التقى بها بشكل عارض أو نتيجة لظروف العمل هنا وهناك، العمل في المطاعم  والعمل في حقول الفلاحة وما أدراك ما حقول الفلاحة. ومن بين هذه الشخصيات، شخصية ماسكوط الذي ساعد الكثير من أبناء العرائش على الهجرة إلى لندن بفعل عقود العمل.

– قراءة في الأبعاد:

وإلى جانب المتعة  (متعة اللغة والتصوير) التي تحققها هذه  اليوميات التي اختار لها الشنتوف عنوان: “عابر إلى الضباب”، فإن هذا العمل يحفل بالكثير من الأبعاد الثقافية والتاريخية والاجتماعية …

أ – البعد الثقافي:

 ويتمثل في كل ما مجموع العادات والتقاليد وكل الإنجازات المادية والسمعية.. وقد بدا لنا من خلال قراءتنا ليوميات عبد الصمد أن الكاتب استثمر هذا المكون لغايات فنية وجمالية. وللاقتراب من هذه المسألة نقرأ: “بث مايكل عبر جهازه أغنية دميس رسوس الشهيرة “فار أواي”، أخذ صوت دميس الجهوري يصدح بقوة في الفضاء”، وفي نفس الحلقة نقرأ: على بعد خطوات من الحلبة تقع منصة العروس، وهي كوشة مزينة بورود على جوانبها وإضاءة خافتة ملونة: الحلقة: (28).

إن هذه القرينة وغيرها من القرائن السردية الأخرى التي يضيق المجال إلى ذكرها، تروم تقريب القارئ من عادات وتقاليد الشعوب خاصة ما يهم الحفلات، كما تعكس ثقافة الحب والتسامح القائمة بين عينة من الإنجليز وبين المغاربة بما في ذلك العمال بمختلف انتماءاتهم. وبالانتقال إلى الحلقة (9) يقربنا الكاتب هذه المرة من زواج العائلة المالكة في بريطانيا.

يقول صاحب عابر إلى الضباب: “كان الأمير يمشي مرتديا زيا رسميا للقوات البحرية فيما العروس ظهرت بفستان أبيض من حرير منفوش، تسير على مهل وتجر ذيلا حريريا مثل الطاووس، قيل إنه من تصميم المصممة “ليندا سييراش”. كان مشهدا رومانسيا رائعا يليق بزواج الأمراء. وضعت الأميرة سارة فيرغسون خاتم زواج مصنوع من ذهب ويلزي في بنصرها، بينما كان خاتم الأمير من البلاتين الرفيع. حفل شارك فيه عدد كبير من المشاهير والشخصيات أمثال: “إلتون جون، جورج كلوني، غاري لينكر ولاعب التينس جون ماكنرو”. إن هذا المشهد  يجعل القارئ كما لوكان حاضرا  مراسيم  زواج هذا الأمير، وهنا تكمن أهمية السرد والوصف.

ب – البعد التاريخي:

لا تخلو يومية عبد  الصمد الشنتوف من أبعاد تاريخية تستدعيها عابر إلى الضباب. وهو استدعاء يعيد إلى الواجهة مرحلة مفصلية في التاريخ السياسي المغربي الحديث، تاريخ كثيرا ما تم النظر إليه من زوايا ومواقع إيديولوجية مختلفة. وللاقتراب من هذا الأمر، سنتوقف عند الحلقة (22)، في هذا الإطار نقرأ: “حينما اعتلى الريسوني المنصة ليخطب في الفلاحين، بدأ الصفير والصياح يجلجل في السماء، زحفت جماهير سوق ريصانة نحو المنصة تهتف بقوة: “عاش محمد الخامس”.

إن النبش في تاريخ هذه المرحلة إنما يذكر المغاربة  ببطولات أسلافهم في مناهضة الاحتلال الإسباني والعمل على جلائه، كما يكشف عن تعلق المغاربة ببطل التحرير المغفور له الملك محمد الخامس. وقوف الشنتوف عند هذه المرحلة -وكما هو الحال عليه عند بعض الروائيين، مبارك ربيع، الزهرة رميج..- إنما يكشف عن اعتزازه بمغربيته وببلده المغرب وببطولات أسلافه الذي أبلوا البلاء الحسن في مواجهة الإمبريالية الاستعمارية دفاعا عن الحرية والاستقلال.

ج – البعد الاجتماعي:

إلى جانب البعدين الثقافي والتاريخي، يمكننا الحديث عن البعد الاجتماعي. ونفكر هنا في طبيعة العلاقات الاجتماعية التي يلتزم بها الكاتب سواء مع المغاربة أو الإنجليز أو أبناء دول أخرى ممن يعملون في لندن وفي قطاعات إنتاجية مختلفة. ونشير هنا على سبيل الذكر لا الحصر إلى فضاء مقهى كازا بلانكا، وهو بالمناسبة خير مثال لهذا الالتزام أو الارتباط.

نقرأ: “ولجت الباب فالتقت عيني بعيني مصطفى صاحب المقهى، أشار لي بالجلوس إلى جنبه على طاولة يتقاسمها مع صديقيه المهاجرين عبدالله وأحمد. سألني مصطفى عن أحوالي وكان على دراية بقصتي مع عبد الملك، أخبرته أني بخير، أقيم حاليا في بيت شرقاوي وأشتغل بإحدى ورشات الأحذية في شرق لندن. أفرحه الخبر وعلت محياه ابتسامة طيبة ومودة ثم طلب لي شاي بالنعناع .هكذا هو مصطفى الذي عرفته، رجلا مضيافا كريم”. الحلقة: (11). تعكس هذه القرينة السردية  طبيعة العلاقة التي تجمع المهاجرين المغاربة ببعضهم البعض، وهي علاقة إنسانية وبرغماتية، بحيث يتم من خلالها   تجاوز الشعور بالغربة  وكذا نسيان متاعب ومشاكل اليومي، كما تسمح بتبادل الأفكار والأخبار بينهم، وكذا تقديم المساعدة والمشورة لمن يهمه الأمر.

– السرد الاستيعادي:

من الظواهر الفنية التي تسترعي انتباه قارئ يوميات الشنتوف، استعانة الكاتب بتقنية الاستيعاد، استعادة الماضي بكل ما ينطوي عليه من محطات متنوعة. فمثلا في الحلقة: (11)، يسترسل الشنتوف في وصف مقهى كازا بلانكا بلندن المليئة بالدخان والصخب، وهو الوصف الذي سيدفعه إلى تذكر واستعادة مقهى بالعرائش مدينة الكاتب، إذ يقول: “أجواء المقهى ملبدة بدخان سجائر وصخب يحيط بك من كل جانب. لا مكان فيه للنساء وكأنك في مقهى با عبد الله بالعرائش.

كما يستعيد الكاتب -في نفس الحلقة- حكايات وقصص كيفية وصول البعض إلى لندن وما يتخلله من مغامرات. وهكذا في نفس الحلقة السالفة الذكر يستعيد الكاتب كيفية وصول علي الفتى الأمازيغي إلى بلاد الإنجليز وهو الذي كان ينتمي إلى فرقة أولاد حمادة موسى الصوفية.

عن هذه الشخصية العجيبة، نقرأ: “في الثلاثينيات من القرن الماضي اختطفه رجل يدعى “محند” الذي كان يشتغل مع سيرك أوروبي وهو طفل ابن السابعة من عمره ، فتم نقله إلى إسبانيا حيث أخذت حياته منعطفا مختلفا مع بداية الحرب الأهلية الإسبانية. ظل يشتغل ويتدرب معهم في السيرك إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولم يكن يتقاضى أي أجر مقابل عروضه، فقط كان يعطى له الطعام والمأوى وضروريات الحياة العادية. ولما اشتد عود الطفل وبرزت مهاراته، بدأ يتنقل مع السيرك بين دول أوروبا إلى أن انتقل البهلوان الموهوب إلى بريطانيا بداية الخمسينيات”.

إن استدعاء حكاية هذا الفتى الأمازيغي وتضمنيها في اليوميات إنما يروم إضفاء طابع التنويع على متن الشنتوف مثلما يروم  تقريب القارئ من بعض التجارب الإنسانية للآخرين وما شهدته من تحول مفصلي في مسارات حياتها. وتجربة علي هذه هي تجربة كل المغاربة الذين ركبوا مغامرة السفر إلى البلدان الأوروبية بدافع من الفضول وركوب المغامرة وكذا تحسين فرص الحياة.

وفي سياق ما هو استعادي، يستدعي الكاتب سينما أفينيدا بالعرائش، لما كان برفقة سوزان لمتابعة طقوس ومراسيم زواج الأمير الأمير أندرو وسارة فيرغسون في الحلقة (9)، في هذا الإطار يقول: “دفعني فضولي أن أتسلل وأخترق الصفوف نحو الأمام حتى أشاهد العروسين عن قرب.

استحضرت في ذهني مشهد التزاحم عند بوابة سينما أبنيدا بمدينتي. كان سلوكا تلقائيا سلكته دون أن أشعر، ككثير من سلوكيات منفرة جلبتها معي إلى بلاد الإنجليز”. إن هذا الاستدعاء بقدر ما أنه تقنية يلجأ إليها السارد للتنويع في الموضوعات فإنه أيضا يعكس حنين السارد إلى الماضي الجميل، وهو الماضي الذي رحل بعد أن طواه النسيان. واستعادته هنا يدخل ضمن ولع الكاتب بالماضي ومقاسمته القارئ فصوله وأحداثه الشيقة.

– تركيب:

 لقد سعيت من خلال هذه القراءة المتواضعة والسريعة إلى تقريب القارئ المغربي والعربي من عوالم يوميات عبد الصمد الشنتوف المعنونة بـ “عابر إلى الضباب”، وهي يوميات مليئة بالأحداث والتفاصيل الذاتية والغيرية التي تولد المتعة لدى القارئ وتجعله يرتحل إلى مرحلة الثمانينيات وما تنطوي عليه من مغامرات وعلاقات بالإنسانية  وفضاء إنجلترا. ولتقريب القارئ من هذا الكون، أشرنا إلى بعض أبعاد هذه اليوميات إلى جانب تقنية الزمن الاستيعادي، وهي تقنية تفسح أمام القارئ بالسفر من حاضر أنجلترا إلى ماضي السارد وهو زمن لا يقل أهمية عن الزمن الحاضر. وقد تعمدت التقليص من حجم هذه القراءة تاركا فرصة توسيعها مع إصدار هذا العمل الجميل.

عن غرفة الأخبار

تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

شاهد أيضاً

قوانين تلجم الأفواه وتحطم الأقلام تهدم نفسها بنفسها | سبينوزا فى لاهاي (1)

كتب رئيس تحرير شبكة تايم نيوز | سعيد السبكي  لاهاي هي عاصمة هولندا السياسية  أو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

EgyptAlgeriaTurkeySaudi ArabiaUnited Arabic EmiratesIraqLibyaMoroccoPalestineTunisia
error: Content is protected !!
Open chat
مركز المساعده
مرحبا بك في مركز المساعده
السلام عليكم!
كيف يمكنني ان آساعدك؟