أصابع حريرية | بقلم علي الفقي 

بقلم | علي الفقي

وقفت فوق الطوار مستندا على عكازي، منتظرا هدوء الطريق من السيارات حتى أستطيع العبور للجهة الأخرى ،وأعانق البحر، رميت عيني من وراء نظارتي الشمسية السوداء على رماد الذكريات الملقاة فوق الرمال، جعلت أهش بعصاي ما يسبح على السطح من ماض قريب .
انتبهت على ملمس حريري بأصابع يدي المهملة بجانبي، يممت شطرها ، رأيت جسدا بثوب أسود من أعلى الرأس حتى القدمين، كأنها قطعة سوداء مصمتة، الملمس الحريري للقفاز الأسود يقبض على يدي ، وصوت هادئ بنعومة ذات الحرير يتسرب لأذني – هيا بنا نعبر الطريق .
استجبت واتكأت على عكازي كما استجابت السيارات فتوقفت ، قلت في نفسي – لعلها بركة الضريرة .
عبرنا الطريق الذي استكان لقبضة يدينا وصوت حفيف طرف  العصا على الإسفلت يشق لنا خطواتنا .
جلسنا على مقعد حجري في مواجهة البحر الذي اقترب، مازلت ممسكا بأصابعها الحريرية وبيدي الأخرى أرسم دوائر الماضي بالعصا في الهواء ،على النخيل العالي من وراء أسوار المنتزه.. مرورا بالشاطئ حتى المركب الذي اعتليناه ليعبر بنا الجذر التي لهونا عليها ونداعب الموج.. في قلعة تاريخنا، ونحن في السينما نتابع اختراقه صدورنا لنضحك ، أملأ السماء وأنسى طعم الملح الذي ينزف من عيني محاولا حبسه .
تسحب أصابعها برفق من يدي ، تخلع قفازها وتمرر الأصابع الرقيقة على خدي ، تمسح الدمعات الهاربة من الذكرى ، انتبه لعينيها العسليتين وترتد رأسي للخلف ، محدقا – عيناك جميلتان .
تضغط جفنيها الحمراوين كما تضغط على الحروف بدهشة – أنت ترى ؟
ترتعش شفتاي وتردد  دهشة أكبر- حسبتك ضريرة؟
تبتسم وترفع ستارة وجهها – وأنا عبرت بك الطريق لأنك كفيف .
انتقل بصري يتفحصها ويسرد تفاصيل ملابسها السوداء وثارت التساؤلات …
ارتعشت وهمهمت وزاغت عينيها- أنا ارتدى الأسود لأنني … وخرجت اليوم لكي ….
وأنا أنا ….
قاطعتها ..وضعت أصابعي الخشنة على ثغرها الدري ..

لايهم .. لايهم ..قد رأيت العلامة على رسغك،  لا يهم الاسم أو الديانة أو الموطن أو …المهم هذه اللحظة، هذه اللحظة بالعمر كله ، بالإنسانية كلها ، أنت عبرت بى الطريق لأني كنت كفيفا والآن أبصرت .

   القلب يرقص وعبرة فرح مفاجئ مسحت الدمعة المالحة ، ما أروع أن أرى عيناك، أن المس يدك ، أن أكلمك ويدك على وجهي .
رحت أمرر أصابعها على خدي وأقبلهما وهى يتصارع بداخلها الشعور، لا تعرف إن كانت منتشية في لحظة خيالية ، أم مضطربة من هذا المجنون الذي ساقته الصدفة .
حتى سمعت من ينادى عليها ، انتبهت ، أسدلت ستارة وجهها ولبست نظارتها السوداء ….
وبين طرفة عيني وانتباههما ، اختفت . قمت  بصعوبة أحجل بعصاي، متجها نحو الرمال، استقبلت قدمي الأمواج، ألقى العصا بكل ما استجمع من قوة،
انتظرت أن أرى البحر يشق نصفين فتغرق جيوش الذكريات للأقنعة التي كفرت بي ، متحسسا وجهي ومواضع الأصابع الحريرية،

————————————

  • الطِوَارُ

الطِوَارُ : الحَدُّ والقَدْرُ
وطِوَارُ الدَّارِ: ما كان ممتدًّا معها من الفِناء
و الطِوَارُ من الطريق: جانبه المرتفع قليلاً يمر فوقه المشاة
و الطِوَارُ المُسَاوي
وكلَ شَيءٍ ساوَى شيئاً فهو طِوارٌ له

عن غرفة الأخبار

تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

شاهد أيضاً

مصطفى درويش لمتابعيه| لا وألف لا مش هشتغل مع رمضان ولو هبطل الشغلانة

تايم نيوز أوروبا بالعربي | القاهرة نشر مصطفي درويش وهو فنان مصري ، كتب متأثرا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

EgyptAlgeriaTurkeySaudi ArabiaUnited Arabic EmiratesIraqLibyaMoroccoPalestineTunisia
error: Content is protected !!