كتب | عاطف حمدي
الهجرة ظاهرة لعبت دورًا مركزيًا في المُجتمع الهولندي لعقود طويلة. وهي تحمل معها فرصًا وتحديات، سواء للمهاجرين أنفسهم أو للمجتمع الذي يستقبلهم. بعد 35 عامًا من العيش والدراسة والعمل في هولندا، تطورت لديّ رؤية فريدة حول الديناميكيات المعقدة للهجرة والاندماج والاستغلال المؤسف الذي يتعرض له الكثير من المهاجرين. علمتني تجاربي الأكاديمية والشخصية أن الهجرة قضية متعددة الأوجه تتطلب نهجًا واقعيًا وعمليًا، بعيدًا عن التسييس والأحكام المُسبقة.
الهجرة وسوق العمل الهولندي
أثناء رحلة حديثة بالدراجة مع ابني إلى مدرسته في أمستردام ويستربارك، عدت مرة أخرى إلى واقع العديد من المهاجرين في هولندا. على طول الطريق، صادفنا العديد من عمال توصيل الطعام، غالبًا على دراجات كهربائية، يتحركون أحيانًا بتهور في حركة المرور. هؤلاء العمال، الذين يأتي الكثيرون منهم من دول مثل الهند، يعملون ساعات طويلة في ظروف صعبة. يكسبون قليلًا، وغالبًا لا يعرفون قواعد المرور الهولندية، ويعيشون في ظروف سكنية مزرية. ومع ذلك، فهم أشخاص لطيفون، يتصرفون بخضوع عندما يتم توجيه اللوم إليهم على سلوكهم. هذا يثير تساؤلات حول اندماجهم والدور الذي يلعبه أصحاب العمل في رفاهيتهم.
من اللافت أن هذه المجموعة من المهاجرين تمكنت من الوصول إلى هولندا رغم سياسات الهجرة الصارمة. خلال جائحة كورونا، كانت هناك حاجة كبيرة للأيدي العاملة، ومنذ ذلك الحين، استوعب سوق العمل هذه المجموعة. ولكن على عكس الوافدين الأجانب ذوي المهارات العالية، الذين يساهمون في اقتصاد المعرفة، يتم توظيف هؤلاء المهاجرين في أعمال مؤقتة ومنخفضة الأجر. هذا يطرح تساؤلات عما إذا كانت هولندا تفعل ما يكفي لدعم هذه المجموعة ودمجها في المجتمع.
الاستغلال والعُزلة الاجتماعية
واقع العديد من هؤلاء المهاجرين قاسٍ. فهم يعملون ساعات طويلة مقابل أجر زهيد، ويعيشون في مساكن سيئة، ولديهم وصول محدود أو معدوم لتعلم اللغة أو التوجيه الثقافي. هذا يجعل من الصعب عليهم التعمق في القيم والمعايير الهولندية والمبادئ الديمقراطية. والنتيجة هي أنهم غالبًا ما يقعون في عزلة اجتماعية، بعيدين عن التيار الرئيسي للمجتمع.
بمرور الوقت، يتم تجنيس هؤلاء المهاجرين ويصبحون رسميًا جزءًا من المجتمع الهولندي. أفضل سيناريو هو أن يحتفظوا بوظائفهم كعمال توصيل، ولكن حتى في هذه الحالة، من المرجح أن يظلوا يعيشون في فقر وعزلة. أما أسوأ سيناريو فهو أن ينتقلوا من وظيفة مؤقتة إلى أخرى، دون أي أمل في الاستقرار أو التقدم. بعد سنوات من الاستغلال وعدم اليقين، قد ينتهي بهم الأمر عاطلين عن العمل ومنفصلين عن المجتمع، معتمدين على المساعدات الاجتماعية.
دور الثقافة والأصل
المحزن في هذا الوضع هو أن الوضع الاجتماعي والاقتصادي الضعيف وانعدام الاندماج لهؤلاء المهاجرين غالبًا ما يُعزى إلى أصولهم أو ثقافتهم أو دينهم. هذا نمط رأيناه لعقود في هولندا. بدلًا من التعلم من الماضي، يبدو أن المجتمع يكرر نفس الأخطاء مرارًا وتكرارًا. غالبًا ما يُنظر إلى المهاجرين على أنهم سبب مشاكلهم، بينما يتم تجاهل الاستغلال الهيكلي ونقص الدعم من الحكومة وأصحاب العمل.
التعلم من الماضي
الهجرة ظاهرة معقدة تجلب معها فرصًا وتحديات. من الضروري أن نتعامل مع قضايا الهجرة والاندماج بطريقة واقعية وعملية، بعيدًا عن التسييس والأحكام المسبقة. يجب أن نتعلم من الماضي ونتأكد من أن الأجيال الجديدة من المهاجرين لا تواجه نفس الأخطاء التي واجهها أسلافهم. هذا يتطلب جهدًا مشتركًا من الحكومة وأصحاب العمل والمجتمع ككل. فقط عندها يمكننا أن نجعل الهجرة إثراءً للمهاجرين والمجتمع الهولندي على حد سواء.
خلال 35 عامًا في هولندا، رأيت كيف يمكن أن تكون الهجرة نعمة ونقمة. الأمر يعود إلينا لضمان أن تكون نعمة، من خلال التعلم من الماضي والاستثمار في مجتمع شامل وعادل