ما جرى ليلة أمس وحتى صباح اليوم السبت 16 مايو الجاري أمام متاجر الساعات في مُدن هولندية مثل لايدسخندام وأمستردام وأوترخت لم يكن مُجرد ازدحام عابر بسبب مُنتج جديد، بل كان مشهدًا كاشفًا لوجه آخر من المجتمع الهولندي ؛ وجه تحكمه الرغبة المحمومة في الربح السريع حتى لو سقطت القيم والسلوكيات يدوسها الناس بأقدامهم في الطريق.
مئات الأشخاص قضوا الليل في العراء، بعضهم جاء بكراسٍ وصناديق البيرة، وآخرون سافروا من دول أخرى، لا حُبًا في الساعة ولا تقديرًا لقيمتها الفنية، بل لأن الجميع كان يُفكر في شيء واحد فقط: كم سأربح إذا أعدت بيعها؟
المُثير في الأمر أن كثيرين لم يحاولوا حتى إخفاء الدافع الحقيقي وراء هذا التدافع. فهناك شاب في السابعة عشرة من عمره قالها بوضوح: “لا توجد وظيفة تمنحني هذا المال بهذه السرعة”. عبارة تختصر تحوّلًا خطيرًا في المفاهيم؛ فالقيمة لم تعد في العمل أو الإنتاج أو الجهد، بل في المُضاربة واللهاث خلف الربح السريع مهما كانت الوسيلة.
لطالما قُدّمت المجتمعات الغربية، ومنها المجتمع الهولندي، باعتبارها نموذجًا للهدوء والنظام واحترام القانون والسلوك الحضاري، لكن لحظة المال تكشف دائمًا الطبقات الحقيقية المختبئة تحت الصورة اللامعة. فما إن ظهرت فرصة للربح حتى تحولت الطوابير إلى فوضى وتدافع واشتباكات، واضطرت الشرطة إلى إخلاء ممرات كاملة وإغلاق متاجر خوفًا من الانفلات.
الحقيقة أن لوثة الرغبة فى جني المال تفضح البشر أكثر مما يكشفهم الفقر. ففي أوقات الرفاهية يبدو الجميع مُهذبًا ومُنظمًا، لكن عند أول فرصة لتحقيق مكسب سريع تظهر الأنانية والجشع والميل إلى الاستحواذ بأي طريقة.
والمؤسف أن ثقافة “الربح بأي ثمن” لم تعد مُقتصرة على الكبار، بل أصبحت تنتقل إلى المراهقين والشباب باعتبارها نوعًا من “الذكاء” و”الفرصة الذهبية”، بينما يتم تهميش قيم العمل الحقيقي والصبر وبناء المُستقبل.
ما حدث ليس أزمة ساعة فاخرة، بل أزمة قيم. فالمُجتمع الذي يتحول فيه منتج استهلاكي محدود إلى حالة هوس جماعي، وتصبح إعادة البيع السريع حلمًا مشروعًا لجيل كامل، هو مُجتمع يحتاج إلى مراجعة عميقة لفكرة النجاح ذاتها.
وربما تكشف هذه الحوادث أن الصورة المثالية التي يُروَّج لها عن بعض المُجتمعات الأوروبية ليست دائمًا كاملة كما تبدو.
الطمع يُسقط الأقنعة سريعًا، ويظهر الإنسان على حقيقته بعيدًا عن الشعارات اللامعة عن التحضُر والانضباط.
