القائمة

هل تلقي غزة مصير مالقة في الأندلس؟

غرفة الأخبار 23 ساعة مضت 0 5.8 ألف

كتب | د.ماجد فياض

كنا في إسطنبول نحضر مؤتمرًا دوليًا حين اندلعت أحداث السابع من أكتوبر لعام 2023.
“غادرنا قاعة المؤتمر لأداء صلاة المغرب في مسجد السلطان أحمد.”
أنت هنا لا تتجول في مدينة واحدة، بل تعبر طبقات التاريخ المتراكمة، حيث تلامس قدماك أرضًا مشت عليها قوافل التجار البيزنطيين، وعساكر السلاطين العثمانيين، وحشود الرحالة الباحثين عن أسرار الشرق.

“لكن الهواء ذاته كان يرزح تحت ثقل القلق، وعيوننا متسمّرة على شاشات الهواتف، نتابع أخبار غزة، تلك الأرض التي تهتز تحت قصفٍ رهيب، حيث تتهاوى الأبنية، ويُنتشل الأطفال من تحت الركام.

سألني صديقي، وهو يرمقني بعينين مثقلتين بالحيرة واليأس، عن رأيي فيما يحدث. تنهدتُ طويلاً، ثم قلت بصوت يختنق بين الرجاء والخوف: “أسأل الله ألا تلاقي غزة مصير مالقة في الأندلس المفقود يا صديقي.”

تساءل صديقي: “ماذا تعني بذلك؟”
أوضحتُ له أنه في لحظات الاحتضار الأخيرة للأندلس، لم تسقط غرناطة دفعة واحدة، بل انهارت من الداخل، حيث نشبت حرب أهلية بين أحمد بن علي الزغل، المعروف باسم المُلك الزغل، الذي يرى الجهاد طريقًا وحيدًا للخلاص ، فاستقل بمدينة مالقة ووادي آش، وبين أبو عبد الله محمد الثاني عشر (المعروف بأبي عبد الله الصغير)، آخر ملوك غرناطة الملقب بالزغابي (المشؤوم) ، الذي يرى التحالف والمهادنة مع القشتاليين طريقًا أوحد للحفاظ على المملكة. كان يتمسك بحبال الأمل الواهي، حتى أُسلم مفاتيحها على طبق من ذهب. كما قال له عمه وهو خارج إلى مالقة: “وكأني أراك يا بن أخي تسلم القشتاليين مفاتيح المدينة.” فحارب عمه وأخرج له سرية مقاتليه وهو على أبواب مالقة، بدلاً من أن يقاتل العدو الحقيقي المتربص بهما جميعًا.

واليوم، يبدو المشهد مكرراً يا صديقي، تُقتطع فلسطين بين غزة التي تقاوم والضفة التي تفاوض، فيما يتربص العدو بالجميع، منتظرًا سقوط الحصن الأخير. غزة لا ترى سوى النضال طريقًا للاستقلال، والضفة الغربية وقعت اتفاقات أوسلو وتخلت عن سلاحها، وتعمل ككلب حراسة لإسرائيل، فتقتل وتعتقل وتهدم بيوت كل من يقاوم أو حتى يتظاهر. تحاول أن تحيا في ظل اتفاقات لم تحمِ أرضها من الاستيطان والتآكل الجغرافي.

وحين أسدل الليل ستاره، وجدنا أنفسنا على ضفاف البوسفور، ذلك الشريان الأزرق الذي يشق المدينة بين قارتين، كما لو كان يجسد الانقسام الذي يعيشه عالمنا اليوم. السفن تتهادى في المياه المظلمة كفوانيس عائمة، والرياح القادمة من البحر الأسود تعبث بمعاطف العابرين. على الضفة المقابلة، تتلألأ أنوار برج غالاتا، وكأنه عين قديمة تسهر على إسطنبول وتحرس أسرارها. تمامًا كما كانت أبراج القلعة في مالقة تترصد البحر وتحرس شواطئها من هجمات فرديناند وإيزابيلا. جدرانها تشهد وحدها على نكبة أهل مالقة الذين ظلوا يستنجدون بالعثمانيين والمماليك والمغاربة في الليالي الأخيرة للحصار، كانت مالقة تصرخ ولا تجد من يسمع . أكلوا ورق الشجر والبغال والحمير، مات الأطفال جوعًا. وكما يخرج أبو عبيدة يستنجد المسلمين وأحرار العالم، ولا يجد من يغيث. كانت دولة المماليك غارقة في صراعاتها مع العثمانيين، والدولة العثمانية منشغلة بتوسعاتها شرقًا، وممالك المغرب غارقة في أزماتها الداخلية. وحين وصل الخبر إلى القاهرة، كان الأذان يُرفع، لكن الصمت كان أبلغ من كل نداء.

أما قائد غزة الشهيد أبو إبراهيم، فيشبه القائد العسكري لمالقة، أبو حامد الثغري، الذي رفض الاستسلام رغم نفاد المؤن والجوع الشديد، وتمسّك بدفاعه المستميت عن مدينته ضد حصار القوات القشتالية في عام 1487م ، وأصرّ على القتال حتى النهاية، مستخدمًا تكتيكات دفاعية مبتكرة مثل حفر الأنفاق لتقويض أبراج العدو.

لم يكن أهل مالقة يتخيلون أن النداءات ستذوب في الريح، وأن المدن التي نادت بالنجدة ستصبح مجرد ذكري في كتب التاريخ ، وكما تُركت مالقة لمصيرها، تتُرك الآن غزة وحدها تواجه العواصف العاتية .

على الجانب الآخر، كانت غرناطة تلعب سياسة البقاء، وقّعت معاهدات، قدّمت الولاء، لكن ذلك لم يمنع سقوطها. حين دخل فرناندو وإيزابيلا المدينة، لم يحترما أي اتفاق، بل شرعا في التنصير القسري، والإعدامات، وهجر الأندلسيين، حتى تحولت غرناطة إلى ظلٍّ لما كانت عليه.

التاريخ لا يملّ من تكرار نفسه يا صديقي، فإن خذلان الأمس يعيد وجهه اليوم، بلا خجل.

ها هي الضفة الغربية تُعيد نفس السيناريو، ومحمود عباس، يعقد الاتفاقات، يراهن على سلام هش، وهو يري بأم عينيه كيف يلتهم الاستيطان أرضها، وكيف تتراجع أحلام الدولة المستقلة، كما تراجعت أحلام غرناطة أمام زحف القشتاليين. لا يسمع لنداء تشرشل:”من يرضى بالعار خوفًا من الحرب، سينتهي به الأمر إلى الحرب والعار معًا.”

رغم صخب المقاهي، والحنين العالق في الأحجار القديمة، وروائح القهوة التركية الثقيلة، وأثر البخور العالق من بقايا الأسواق العتيقة، ورائحة
العشب الطازج في حدائق قصر توبكابي، آتاني سؤاله بوضوح: “هل يمكن أن نكتب نهاية مختلفة؟”

فكرت في السؤال طويلًا، ثم قلت: “لو أن آخر ملوك غرناطة، أبو عبد الله الصغير، تخلى عن تحالفه مع القشتاليين، وانضم تحت لواء عمه المجاهد أحمد بن علي الزغل، لكان للقدر وجه آخر. وهناك أيضًا فلسطينيي الداخل الذين يمثلون خمس سكان الكيان، فإن الأمل يحتاج لمن يحمله.”
لكن كما قال بن خلدون: “ما أكثر العبر، وما أقل الاعتبار.”
أما رسالتي للأمة المسلمة، فهي: احذروا أن تحاصروا من يقاتل نيابة عنكم، ولا تخذلوه، فإن تُرك وحده، سقط. وإذا سقط، فُتح البابُ لسقوط الجميع.

كتب بواسطة

تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *