في لحظات الانفجار الإقليمي، حين تتقدّم لغة النار على لغة العقل، تعود القاهرة إلى الواجهة بوصفها نقطة ارتكاز لا غنى عنها في معادلة التهدئة. هذا ما تعكسه بوضوح التصريحات الأخيرة الصادرة عن عواصم خليجية كبرى، من المملكة العربية السعودية إلى الإمارات العربية المتحدة مرورًا بـدولة قطر، حيث يتقاطع الخطاب السياسي عند الإشادة بالدور المصري في الوساطة لوقف الحرب، ليس كموقف بروتوكولي، بل كخيار استراتيجي تفرضه معادلات الواقع.
هذا التلاقي الخليجي حول مصر لا يمكن فصله عن إدراك عميق بأن القاهرة تمتلك ما تفتقده أطراف أخرى: القدرة على الحديث مع الجميع دون أن تفقد توازنها. فهي من جهة تحتفظ بقنوات اتصال مفتوحة مع أطراف النزاع، ومن جهة أخرى تحظى بقبول إقليمي ودولي يجعل تحركاتها قابلة للبناء عليها. هنا لا تتحرك مصر باعتبارها وسيطًا طارئًا، بل بوصفها فاعلًا تاريخيًا خبر دهاليز الصراع العربي–الإسرائيلي، وتعلّم كيف يدير الأزمات المعقّدة بأقل قدر من الخسائر الممكنة.
الرهان الخليجي على القاهرة يعكس أيضًا تحوّلًا في مقاربة إدارة الأزمات. فبدل الانخراط في محاور التصعيد، تتجه هذه الدول إلى دعم مسار التهدئة، إدراكًا بأن كلفة الحرب المفتوحة تتجاوز حدود الجغرافيا السياسية لتطال الاقتصاد والاستقرار الداخلي. ومن هنا تأتي الدعوات المتكررة لوقف إطلاق النار، وتأمين الممرات الإنسانية، وحماية المدنيين، وهي ملفات تدرك العواصم الخليجية أن مصر تمتلك فيها أدوات تأثير حقيقية، بحكم موقعها الجغرافي وصلاتها المباشرة، خاصة في ما يتعلق بقطاع غزة.
غير أن أهمية الدور المصري لا تكمن فقط في قدرته على “إطفاء الحرائق”، بل في كونه جزءًا من رؤية أوسع لإعادة ضبط الإيقاع الإقليمي. فالتنسيق العربي الذي تُبرزُه التصريحات الخليجية يشير إلى رغبة في استعادة الحد الأدنى من العمل المشترك، بعد سنوات من التباينات. وفي هذا السياق، تتحول الوساطة المصرية إلى منصة يمكن البناء عليها لتشكيل مقاربة عربية أكثر تماسكًا، لا تكتفي برد الفعل، بل تسعى إلى التأثير في مسار الأحداث.
ومع ذلك، فإن الطريق أمام هذه الوساطة ليس مفروشًا بالسهولة. فتعقيدات المشهد، وتشابك المصالح الدولية، وتعدّد اللاعبين غير الرسميين، كلها عوامل تجعل من أي جهد تهدوي مهمة شاقة. لكن ما يمنح التحرك المصري زخمه هو ذلك الغطاء الخليجي الداعم، الذي يوفّر له عمقًا سياسيًا وماليًا، ويعزز فرص تحوّله من مجرد مساعٍ لوقف إطلاق النار إلى مسار تفاوضي أوسع.
في المحصلة، لا تبدو الإشادة الخليجية بالدور المصري مجرد مجاملة دبلوماسية عابرة، بل تعبيرًا عن قناعة راسخة بأن القاهرة لا تزال، رغم كل التحولات، تمسك بخيوط أساسية في معادلة الإقليم. وبينما تتكاثر بؤر التوتر، يظل السؤال الأهم: هل تنجح هذه الوساطة، المدعومة خليجيًا، في تحويل لحظة التصعيد إلى فرصة لالتقاط الأنفاس؟ أم أن منطق القوة سيظل هو الصوت الأعلى؟
الإجابة، كما يبدو، ستُكتب في الميدان، لكن مفاتيحها تمرّ حتمًا عبر القاهرة.
