ماجدة محمود … تكتب
لم تكن قضية جيفري إبستين مجرد ملف جنائي عابر في سجلات القضاء الأمريكي بل كانت مرآة صادمة عكست هشاشة البنية الأخلاقية داخل ما يسمى بالنخبة العالمية رجل بلا منصب رسمي ولا تاريخ سياسي تقليدي استطاع أن يتسلل إلى صالونات الحكم وأن يجلس على موائد القرار وأن ينسج شبكة علاقات مع شخصيات من طراز بيل كلينتون والأمير أندرو وأن يحضر فعاليات أكاديمية في مؤسسات بحجم جامعة هارفارد وأن يقترب من دوائر فكرية مؤثرة داخل معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا لم يكن يملك شرعية انتخابية ولا إنجازا فكريا استثنائيا لكنه امتلك ما هو أخطر القدرة على الوصول
هنا تتكشف الحقيقة القاسية النفوذ لا يولد فقط من صناديق الاقتراع ولا من المراسيم الملكية بل من شبكات مغلقة تحكمها المجاملات والمصالح والبحث الدائم عن التمويل والدعم والوجاهة الاجتماعية داخل تلك الدوائر يصبح القرب من المال قيمة في حد ذاته ويصبح الحضور في الصور دليلا على الشرعية ويتحول الشك إلى همس خافت لا يجرؤ أحد على رفعه إلى مستوى الاتهام
القضية لم تثبت تورط كل من عرفت أسماؤهم في سجلات الطيران أو اللقاءات لكن مجرد قدرة شخص تحوم حوله شبهات على مدار سنوات على التحرك بحرية بين سياسيين وأمراء وأكاديميين تكشف خللا بنيويا في معايير التدقيق الأخلاقي هشاشة في آليات الفحص الاجتماعي وميلا خطيرا إلى افتراض البراءة فقط لأن الشخص محاط بهالة من العلاقات اللامعة إنها ثقافة ترى النفوذ حصانة غير مكتوبة وترى الثروة دليلا ضمنيا على الجدارة
وليس بعيدًا عن أي مجتمع آخر ففكرة الدوائر المغلقة ليست حكرًا على الغرب ولا على عواصم بعينها فكل مجتمع يعرف بطريقته مساحات لا تُرى تتحرك فيها العلاقات فوق معايير الكفاءة وتُمنح فيها الثقة بدافع القرب لا بدافع الاستحقاق وتتسلل فيها الوجوه ذاتها إلى مواقع التأثير عبر شبكة معارف لا عبر اختبار شفاف وهنا لا يعود السؤال متعلقًا بجغرافيا معينة بل بطبيعة بشرية تميل إلى حماية شبكاتها الخاصة حتى لو كان الثمن إقصاء الأجدر
الأخطر أن دوائر النفوذ بطبيعتها مغلقة فهي لا تخضع للرقابة الشعبية المباشرة ولا للشفافية الكاملة بل تقوم على الثقة المتبادلة بين أصحاب المصالح وهنا يصبح السؤال أكثر إزعاجا هل كانت المشكلة في فرد استغل النظام أم في نظام يسمح للفرد أن يستمر كل هذه السنوات بلا مساءلة حقيقية
قضية إبستين هزت الثقة في الصورة المثالية للنخبة التي طالما قدمت نفسها باعتبارها حارسة القيم والمؤسسات لقد أظهرت أن الخط الفاصل بين الوجاهة والاشتباه قد يكون أحيانا رفيعا إلى درجة التلاشي وأن شبكات المصالح يمكن أن تعمي البصيرة الجماعية حتى عن أبسط الأسئلة الأخلاقية
وربما تكمن خطورة القضية في أنها لم تنته بإدانة واضحة لشبكة كاملة ولم تكشف كل الخيوط بل تركت وراءها فراغا مقلقا ومساحة واسعة للشك وهو ما يجعلها أكثر من مجرد فضيحة إنها اختبار مفتوح لمصداقية النخب في كل مكان فإما أن تعيد تعريف معاييرها الأخلاقية بصرامة وشفافية وإما أن تبقى الأسئلة معلقة في الهواء سؤال واحد يتردد بإلحاح إذا كان المال يفتح الأبواب فمن يملك الشجاعة ليغلقها عندما يصبح الصمت شراكة ضمنية
magy-news@hotmail.com
