كتب : سعيد السُبكي
في لحظات التحولات الكبرى، لا يُحاسَب القادة على النوايا، بل على النتائج. ومنطقة الشرق الأوسط وخاصة الخليج تعيش اليوم واحدة من أخطر مراحلها منذ عقود. حرب مفتوحة . . توازنات دولية واقليمية تتبدل . . وتحالفات يعاد تشكيلها على وقع المصالح لا المبادئ.
والسؤال الذي يفرض نفسه: ماذا فعلت دول الخليج لتحمي نفسها بعيدًا عن مظلة الاعتماد على الآخرين؟ لقد دفعتم ثمن الخوف مرة، حين راهنتم على الحماية الخارجية بدل بناء قوة ذاتية.
وتدفعون اليوم ثمن الارتهان السياسي والأمني.
وقد تدفعون غدًا ثمنًا أكبر، حين تنتهي الحرب وتُعاد صياغة خرائط النفوذ دون أن تكونوا طرفًا فاعلًا فيها، بل مجرد ساحة أو ورقة تفاوض.
ألم تتعلموا من دروس التاريخ القريب؟ ألم تروا كيف تُستنزف الدول التي تعتمد كليًا على الخارج في أمنها القومي؟! . . ألم يكن واضحًا أن الحماية المشروطة تعني قرارًا مشروطًا وسيادة منقوصة؟! . . منذ عقود طُرحت فكرة القوة الخليجية المُشتركة. وُلد مجلس التعاون لدول الخليج العربي عام 1981 ليكون إطارًا للتكامل السياسي والعسكري والاقتصادي.
لكن أين أصبح مشروع الجيش الخليجي الموحد؟! أين عقيدة الدفاع المشترك الحقيقية؟ ولماذا بقي التعاون العسكري في حدود رمزية بينما التهديدات تتعاظم؟ . . الاعتماد شبه الكامل على السلاح الغربي، وعلى المظلة الأمريكية تحديدًا، لم يكن مجانيًا.
الولايات المتحدة الأمريكية لا تقدم خدمات بلا مُقابل، وأوروبا تتحرك وفق مصالحها البحتة. في اللحظة التي تتعارض فيها مصالحكم مع حساباتهم، لن تكون الأولوية لأمن الخليج، بل لمعادلاتهم الكبرى.
المشكلة ليست في التحالفات؛ فالعلاقات الدولية تُبنى على المصالح. لكن الخطأ الاستراتيجي يكمن في غياب البديل. في غياب مشروع استقلال دفاعي حقيقي. في غياب صناعة عسكرية متقدمة. في غياب قرار جماعي لا يخضع للانقسامات البينية أو الحسابات الضيقة.
التاريخ مليء بالأمثلة: الدول التي لم تبنِ قوتها الذاتية تحولت إلى ساحات صراع. والدول التي لم تستوعب أن الأمن القومي لا يُستورد، دفعت ثمنًا مضاعفًا.
اليوم، أنتم أمام خيارين: إما الاستمرار في سياسة رد الفعل، والارتهان للحماية الخارجية، وانتظار ما ستقرره القوى الكبرى بعد انتهاء الحرب… وإما الشروع فورًا في بناء منظومة دفاع خليجية موحدة، واقتصاد متكامل، وقرار سياسي مستقل نسبيًا، يوازن بين القوى بدلا من أن ينحاز تبعيةً لطرف واحد. الخوف لا يبني دولًا. والخضوع لا يحمي سيادة. والتاريخ – كما قلتم مرارًا – لا يرحم.
السؤال لم يعد: من يحمي الخليج؟ السؤال الحقيقي: متى يقرر الخليج أن يحمي نفسه؟
