بقلم د.ليندا سليم
في زمن أصبحت فيه المهرجانات السينمائية تتنافس على الأفلام القادرة على الجمع بين القيمة الفنية والبعد الإنساني، لم يكن غريبًا أن يقع الاختيار على فيلم عبد الله الخطيب «سجلات من الحصار» أو «وقائع من الحصار» لافتتاح مهرجان راف ” روتردام للفيلم العربي السينمائي الدولي 2026، بعد أن حصد جائزة أفضل فيلم روائي أول في قسم «وجهات نظر» ضمن مهرجان برلين السينمائي الدولي 2026.
الفيلم الممتد لنحو ساعة ونصف تقريبًا، لا يروي حكاية بطل واحد، بل ينسج خمسة مسارات سردية متداخلة داخل مدينة محاصرة رجال ونساء وأطفال يواجهون الجوع والبرد والخوف والفقد، ويحاولون رغم ذلك التمسك بما تبقى من إنسانيتهم الحب حاضر والضحكة حاضرة، وحتى السخرية السوداء تجد لها مكانًا وسط الركام.
ومنذ الدقائق الأولى نفهم سبب إعجاب المهرجانات بهذا العمل فالفيلم يمتلك كل العناصر التي يبحث عنها جمهور السينما الفنية: موضوع إنساني ثقيل، معالجة بصرية ناضجة، شخصيات واقعية، وإخراج يبتعد عن الميلودراما الرخيصة.
لقد نجح عبد الله الخطيب، القادم من عالم الأفلام الوثائقية، في نقل خبرته إلى الفيلم الروائي دون أن يفقد حسه الواقعي الذي عرفناه سابقًا في فيلمه الوثائقي فلسطين الصغيرة: يوميات حصار.
أقوى أسلحة الفيلم هي الكاميرا، كاميرا لا تراقب من بعيد، بل تتسلل إلى التفاصيل الصغيرة،تلتقط الوجوه المرهقة، والعيون التي استنزفها الانتظار، والأيدي التي تبحث عن لقمة أو دفء تشعر أحيانًا أنك لا تشاهد فيلمًا بقدر ما تتلصص على حياة حقيقية تجري خلف باب مغلق.
أما الإضاءة فكانت من أكثر العناصر نجاحًا،فالمدينة تبدو غارقة في درجات الرمادي والبرد، وكأن الضوء نفسه يعيش الحصار لا توجد ألوان صارخة ولا محاولات لتجميل الخراب، بل عالم بصري متماسك يخدم الفكرة العامة للفيلم وكذلك جاءت الملابس والديكورات منسجمة مع الواقع الذي يقدمه العمل، دون افتعال أو استعراض.
الموسيقى التصويرية اختارت التراجع خطوة إلى الخلف، وهو قرار موفق في أغلب الأحيان،فالحصار يملك موسيقاه الخاصة: الصمت، الأنفاس الثقيلة، وقع الأقدام، والأصوات البعيدة التي تحمل القلق أكثر مما تحمل الطمأنينة ،لكن في بعض اللحظات كان يمكن للموسيقى أن تمنح المشاهد دفعة شعورية أكبر دون أن تفقد العمل واقعيته.
وعلى مستوى المونتاج، نجح الفيلم إلى حد بعيد في التنقل بين الخطوط السردية الخمسة دون تشتيت المشاهد، وهي مهمة ليست سهلة،غير أن هذا النجاح لم يكن كاملًا، فبعض الشخصيات حصلت على مساحة كافية للنمو والتطور، بينما بقيت شخصيات أخرى أقرب إلى رموز أو أدوات درامية تخدم الفكرة أكثر مما تعيش حياتها الخاصة.
وهنا نصل إلى السؤال الأهم: هل كانت مدة الفيلم كافية؟
الإجابة ليست سهلة،فمن جهة تسعون دقيقة تقريبًا مدة مناسبة لفيلم يريد الحفاظ على إيقاعه وعدم إثقال المشاهد لكن من جهة أخرى، يبدو أن الخطيب أراد من الفيلم أن يحمل أكثر مما يحتمل،فهو لا يتحدث فقط عن الحصار، بل عن الفن، والفلسفة، والأيديولوجيا، والذاكرة، والحب، والخوف، والكرامة الإنسانية، ومعنى البقاء على قيد الحياة. كل هذه الموضوعات الكبيرة تجعل بعض الخطوط الدرامية تبدو وكأنها لم تحصل على الوقت الكافي كي تكتمل.
وربما هنا تظهر أولى نقاط ضعف الفيلم فهو ينجح أكثر في رسم صورة عامة للحصار من نجاحه في بناء مصائر فردية راسخة في الذاكرة بعد انتهاء العرض قد تتذكر الشعور الذي تركه الفيلم داخلك أكثر مما تتذكر أسماء شخصياته أو تفاصيل رحلاتها،
لكن النقد الحقيقي يبدأ عند الفكرة المركزية التي يحاول العمل تمريرها.
الفيلم يطرح سؤالًا متكررًا: ما قيمة الفن والفلسفة والأيديولوجيا عندما يكون الإنسان جائعًا؟
سؤال مشروع بلا شك، لكنه يتحول تدريجيًا إلى محور العمل كله وكأن الفيلم يريد أن يقنعنا بأن الجوع يسحق كل الأفكار الكبرى ويجعلها بلا معنى، هنا يبدأ الجدل.
لأن الإنسان لا يفقد قضاياه عندما يجوع، ولا يتخلى عن أفكاره لمجرد أنه يتألم والتاريخ مليء بأشخاص حاصرهم الجوع والحرب والقتل، ومع ذلك تمسكوا بمعتقداتهم وأفكارهم أكثر من أي وقت آخر، لذلك يبدو أحيانًا أن الفيلم لا يكتفي بطرح السؤال، بل يميل إلى تبني إجابة محددة مسبقًا.
وهنا يمكن الحديث عن الرسالة الضمنية التي يحملها العمل، فالفيلم يمنح مساحة واسعة لمعاناة الضحايا وآثار الحصار، لكنه أقل اهتمامًا بتفكيك أسبابه أو مساءلة جذوره و يركز على الألم أكثر من تركيزه على المسؤوليةو يجعل المشاهد يشعر بالحزن العميق، لكنه لا يدفعه دائمًا إلى البحث عن الإجابات الصعبة
وهذا ليس عيبًا بالضرورة، لكنه اختيار فكري يستحق النقاش
أما النهاية فقد جاءت وفية لروح الفيلم كلها،لا انتصار واضحًا، ولا هزيمة كاملة، ولا خلاصًا حاسمًا، نهاية مفتوحة تترك المشاهد مع الأسئلة نفسها التي دخل بها إلى القاعة مع بعض النقاد سيعتبرون ذلك نضجًا واحترامًا لتعقيد الواقع، بينما سيراه آخرون ترددًا في اتخاذ موقف أكثر وضوحًا.
لا يمكن إنكار أن «وقائع من الحصار» عمل مهم ومؤثر ومصنوع بحرفية عالية، إخراج قوي، تصوير متقن، إضاءة ذكية، موسيقى منضبطة، وممثلون نجحوا في حمل ثقل التجربة الإنسانية على أكتافهم،لكنه أيضًا فيلم يثير سؤالًا مشروعًا: هل اكتفى بتصوير الجرح، أم أنه تهرب أحيانًا من الاقتراب الكافي ممن تسببوا فيه؟ربما لهذا السبب خرجت من الفيلم بإعجاب كبير بصناعته الفنية، وبقدر أقل من الاقتناع الكامل بأطروحته الفكرية،
إنه فيلم يجعلك تشعر بالجوع والخوف والوحدة بكل تفاصيلها، لكنه يتركك تتساءل إن كان قد منح الحقيقة كلها المساحة نفسها التي منحها للألم أم يوارى عنها عمدا.
