القائمة

هندسة الأزمات المجزأة: قراءة في كواليس التسوية الأمريكية-الإيرانية وجذور الانكفاء العربي

Linda Seleem شهر واحد مضت 0 1.4 ألف

بقلم د.ليندا سليم

لم يكن الصراع الأخير في مياه الخليج وممرات الملاحة الدولية مواجهة صفرية بغرض كسر العظام، بل كان جولة مُدارة بدقة من “هندسة الأزمات”، تلاقت فيها رغبة واشنطن في استعراض الهيمنة مع حاجة طهران لرفع الحصار الاقتصادي الخانق. هذا المشهد يؤكد أن الحروب الحديثة باتت أداة استثمارية، تُصنع باحترافية وتُفكك باحترافية أكبر بمجرد تحقق “الغايات المالية والسياسية” للفاعلين الكبار.

أولاً: التدمير الخلاق لصناعة “الدية”

إن العودة السريعة لطاولة المفاوضات بعد أسابيع من تبادل الضربات العسكرية تكشف عن استراتيجية “حافة الهاوية”؛ حيث يخلق كل طرف أزمة معقدة ليجبر الآخر على تقديم تنازلات كان يرفضها في وقت السلم.

غاية الكائن الأقوى (واشنطن): الحصول على “صك استسلام” موثق بدمج وتفكيك المخزون النووي، لتقديمه كإنجاز سياسي وتاريخي يرسخ الهيبة الدولية دون تكلفة الحروب الشاملة.

غاية المشاكس المحترف (طهران): الحصول على شريان حياة مالي عبر تحرير المليارات المجمدة وإعادة فتح الموانئ لتدفق النفط، وهو الثمن الفعلي الذي يضمن بقاء النظام واستقراره الاقتصادي.

ثانياً: تدوير الحروب واستنزاف الموارد

إن هذه التسوية ليست حلاً نهائياً، بل هي مجرد “زر إيقاف مؤقت” في لعبة دولية ممتدة. الاستراتيجية الدولية لا تسعى لإنهاء الصراعات بل لـ “تجزئتها”:

تبديل الأيديولوجيات: بمجرد نفاد الصلاحية السياسية للملف النووي، سيتم افتعال أزمات جديدة بغطاء أيديولوجي أو أمني مختلف (كمعكارك التكنولوجيا، أو الممرات البديلة).

تجفيف الأخضر واليابس: تُدار هذه الحروب المجزأة بهدف استقطاب المتورطين وأصحاب الفوائض المالية في المنطقة لدفوع فاتورة الاستقرار والتسلح، ليتم التخلص من الأطراف المستنزفة بمجرد تراجع ثقلها ومواردها في السوق العالمية، وتركها تواجه “يابس” الصراعات بعد نهب “أخضر” ثرواتها.

ثالثاً: العائق التاريخي والخلل البنيوي العربي

أمام هذا التدوير المستمر للأزمات، يظل السؤال المؤلم حول غياب “المشروع العربي الموحد” لحماية الأمن القومي والموارد. بالعودة إلى الأصول التاريخية والاجتماعية، نجد أن المنطقة ما زالت محكومة بإرث “العقلية القبلية والتنافسية الذاتية” التي تحول دون التضافر الحقيقي:

صراع أبناء العمومة: يميل النظام الإقليمي العربي إلى الانكفاء على الذات وشخصنة التحالفات، حيث يشتد التنافس الداخلي على الصدارة والشرعية أكثر من الالتفات للتهديد الخارجي.

ثغرة الاختراق الدولي: تستغل القوى الكبرى سيكولوجية الأنفة والكبر لدى الأطراف المحلية، وتغذي المخاوف المتبادلة، مما يدفع “الإخوة” للاستقواء بالخارج لتثبيت الحكم، ليكون الثمن دائماً تفكيك الجبهة الموحدة والاستفراد بكل دولة على حدة.

والحلول هنا مجرد اماني لن يحققها  الواقع الراهن إلا بكسر هذه الحلقة المفرغة، والتحول من عقلية التنافس القبلي والتوجس من “ابن العم” إلى عقلية التكتلات الاستراتيجية والمصالح البحتة، ما لم تدرك دول المنطقة أن “أخضرها” مستهدف بالكامل، فإن سيناريوهات الاستنزاف ستستمر في تكرار نفسها بأسماء وشعارات مختلفة، ليبقى الميزان دائماً لصالح “الكائن الأقوى” على حساب ثروات المنطقة ومستقبل أجيالها.

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *