القائمة

هل يُعاد تطويق مصر استراتيجيًا؟

غرفة الأخبار 3 أسابيع مضت 0 1.6 ألف


بقلم: سعيد السبكي
في عالم السياسة لا تُقرأ الأحداث منفصلة، بل تُجمع قطع الصورة قبل أن تتضح ملامحها. فالقواعد العسكرية، والموانئ، والمطارات، والتحالفات الأمنية، ليست مجرد مشروعات تنموية، وإنما أدوات لصناعة النفوذ وإعادة رسم موازين القوى.
ومن هنا يبرز سؤال مشروع: هل تشهد المنطقة المحيطة بمصر إعادة تشكيل استراتيجية قد تؤثر مستقبلاً في أمنها القومي؟
لا توجد حتى الآن أدلة معلنة تثبت وجود خطة إسرائيلية تستهدف مهاجمة مصر أو فرض حصار عليها. لكن القراءة الاستراتيجية لا تقتصر على النوايا المعلنة، بل تراقب حركة الوقائع على الأرض، واتجاهات التحالفات، وتغير موازين النفوذ.
شهدت السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا في الحضور الإسرائيلي داخل القرن الأفريقي، وهي منطقة تمثل الامتداد الطبيعي للأمن القومي المصري. فقد عززت إسرائيل تعاونها مع إثيوبيا في مجالات متعددة، ثم تطورت علاقاتها مع “أرض الصومال” في ظل حديث عن تعاون أمني واستخدام منشآت بحرية وجوية في ميناء ومطار بربرة، وهو ما أثار ردود فعل إقليمية ودولية، خصوصًا من الحكومة الصومالية التي رفضت أي وجود عسكري أجنبي دون موافقتها.
قد لا يكون الأمر قاعدة عسكرية مكتملة، لكنه يكشف عن توجه استراتيجي واضح نحو تثبيت موطئ قدم إسرائيلي في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم، حيث يمر باب المندب، البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، والشريان الحيوي للتجارة العالمية ولحركة الملاحة المؤدية إلى قناة السويس.
ومن منظور الأمن القومي المصري، لا يمكن النظر إلى هذه التطورات باعتبارها أحداثًا معزولة. فإسرائيل تمتلك بالفعل وجودًا سياسيًا وأمنيًا في عدد من دول شرق أفريقيا، وتعمل منذ سنوات على توسيع شبكة علاقاتها الاستخباراتية والاقتصادية في المنطقة. وعندما تتجمع هذه التحركات في محيط جغرافي واحد، يصبح من المشروع التساؤل عن أهدافها بعيدة المدى.
يزداد هذا التساؤل أهمية إذا وضعنا في الاعتبار ملف سد النهضة، والعلاقات الإسرائيلية الإثيوبية، والتنافس الدولي المتصاعد على البحر الأحمر، ومحاولات القوى الإقليمية والدولية تأمين خطوط التجارة والطاقة. فهذه الملفات تتقاطع جميعًا عند نقطة واحدة هي الموقع الاستراتيجي لمصر.
لكن الإنصاف يقتضي التأكيد أن التحليل الاستراتيجي لا يعني الجزم بوجود نية لشن حرب. فالدول تبني قواعدها وتحالفاتها لأسباب متعددة، منها الردع، وجمع المعلومات، وتأمين المصالح الاقتصادية، ومواجهة خصوم آخرين. لذلك فإن أي حديث عن “خطة سرية” لاستهداف مصر يحتاج إلى أدلة استخباراتية أو وثائق رسمية لا تتوافر حاليًا في المجال العام.
غير أن غياب الدليل على وجود خطة هجومية لا يعني غياب الخطر. فالسياسة تعلمنا أن التغيرات الكبرى تبدأ غالبًا بخطوات صغيرة تتراكم بمرور الوقت حتى تفرض واقعًا جديدًا.


وهنا يبرز السؤال الأهم: هل مصر مُستعدة؟
المؤشرات المعلنة تؤكد أن القاهرة تدرك أهمية هذه المتغيرات. فقد عززت قدراتها البحرية في البحر الأحمر، وطورت قواعدها العسكرية، ووسعت تعاونها مع دول عربية وأفريقية، وتتعامل مع أمن البحر الأحمر وباب المندب باعتباره جزءًا لا يتجزأ من أمنها القومي. ومن الطبيعي أن تتابع المؤسسات السيادية المصرية بدقة كل تحول استراتيجي في القرن الأفريقي.
إلا أن المرحلة الحالية تتطلب أكثر من مجرد المتابعة العسكرية؛ فهي تحتاج إلى تحرك دبلوماسي واقتصادي وثقافي يعيد لمصر حضورها التاريخي في أفريقيا، ويمنع أي فراغ يمكن أن تستغله قوى أخرى.
إن الدول الكبرى لا تنتظر حتى يكتمل الطوق حولها، بل تتحرك مبكرًا لاحتواء المخاطر قبل أن تتحول إلى أزمات.

ومن هذا المنطلق، فإن المطلوب اليوم ليس إثارة الخوف أو الترويج لنظريات المؤامرة، وإنما إطلاق نقاش وطني جاد حول مستقبل الأمن القومي المصري في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
فالسياسة لا تُبنى على حسن النوايا، بل على قراءة الوقائع والاستعداد لكل الاحتمالات. وهذا هو جوهر الأمن القومي لأي دولة تحترم مستقبلها.

كاتب

  • تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

كتب بواسطة

تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *