القائمة

هل نحن مُشركون؟حين يصبح الخوف إلهًا صامتًا

Linda Seleem أسبوعين مضت 0 7.2 ألف

لم يكن هذا السؤال يومًا بسيطًا، ولا مجرد طرح فكري عابر، بل هو في جوهره محاولة للاقتراب من منطقة نفضل تجاهلها؛ لأننا اعتدنا أن نرى الشرك في صورة بعيدة عنا، صورة صنم يُعبد أو طقس واضح يمكن تمييزه بسهولة، فنطمئن سريعًا أننا في مأمن، بينما الحقيقة الأكثر إزعاجًا أن الشرك لم يعد دائمًا ظاهرًا، بل أصبح أكثر خفاءً، وأكثر قدرة على التسلل إلى داخلنا دون أن نشعر.

فالقضية لم تعد مرتبطة بما نسجد له، بل بما يخيفنا، وما نعيد ترتيب حياتنا على أساسه، لأن أخطر التحولات لا تبدأ من الأفعال، بل من الداخل، من تلك اللحظة التي يتقدم فيها الخوف خطوة، فيعيد تشكيل أولوياتنا بهدوء، حتى دون أن نعلن ذلك لأنفسنا. وفي لحظات الأزمات الكبرى، لا تتغير الحقائق بقدر ما يتغير موقعنا منها؛ ما كان واضحًا يصبح قابلًا للتأجيل، وما كان مرفوضًا يصبح قابلًا للتبرير، لا لأن الحقيقة تبدلت، بل لأن كلفتها ارتفعت، وهنا تحديدًا تبدأ أخطر عملية صامتة: إعادة تشكيل القناعات تحت ضغط الخوف.

هذا التحول لا يحدث دفعة واحدة، بل يتدرج في هدوء شديد؛ يبدأ بصمت نبرره، ثم بتنازل نفسره، ثم بتكيف نعتبره ضرورة، حتى نصل إلى مرحلة يصبح فيها التنازل قناعة، لا اضطرارًا، ويصبح الخضوع منطقًا، لا استثناءً، فنجد أنفسنا نتحدث بلغة “الواقعية” و”إدارة الأزمات” و”تقدير المرحلة”، بينما ما يحدث في العمق هو شيء أكثر خطورة بكثير: إعادة تعريف الحق بما يتناسب مع ما نخافه، لا مع ما نؤمن به.

في هذا السياق، لا نحتاج إلى أصنام لنفهم ما يجري، لأن المشهد أكثر تعقيدًا؛ موازين قوة ترسم حدود الكلام، وتحدد من يُسمع صوته ومن يُصمت، ومن يُدان ومن يُبرر له، ومع تكرار هذا النمط، تتشكل قاعدة غير مكتوبة تحكم السلوك العام: الاقتراب مما يحمينا، والابتعاد عما قد يكلفنا، ومع الوقت لا يعود الإنسان يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن الأمان، ولا يعود يسأل: ماذا يجب أن أفعل؟ بل: ماذا يمكنني أن أتحمله؟

وهنا تنشأ أخطر فجوة داخل الإنسان؛ فجوة بين ما يعرفه في أعماقه، وما يسمح لنفسه أن يعيشه، وبين ما يؤمن به، وما يجرؤ على إظهاره، ومع استمرار الأزمات والحروب، لا يبقى الخوف مجرد رد فعل، بل يتحول إلى عادة، ثم إلى منطق، ثم إلى ثقافة كاملة تعيد تشكيل الوعي، بحيث يصبح التنازل مهارة، والصمت حكمة، وإعادة تفسير الحق ضرورة.

وعند هذه النقطة، لا نكون أمام أزمة سياسية عابرة، بل أمام تحول عميق في بنية الإنسان نفسه؛ إنسان أكثر حذرًا، أقل صراحة، وأكثر استعدادًا لأن يعيد صياغة كل ما يؤمن به، فقط ليبقى داخل دائرة الأمان، وهنا تظهر الحقيقة القاسية التي يصعب الهروب منها: إذا أصبح كل شيء قابلًا للتعديل تحت الضغط، فلن يبقى من القناعات شيء ثابت، بل سيتحول كل شيء إلى استجابة محسوبة للخوف.

وهذا هو أخطر ما في الشرك في صورته المعاصرة؛ ليس أنه يطلب منك أن تسجد، بل أنه يكتفي بأن تخاف، ثم يعيد بناء قراراتك، ومواقفك، ورؤيتك للحقيقة على هذا الخوف، حتى يصبح هو المرجعية التي لا تعلن عن نفسها، لكنها تحكم كل شيء.

فالتوحيد في جوهره لم يكن كلمة تُقال، بل ثبات داخلي لا يتغير بتغير الظروف، أما حين يُعاد تشكيل هذا الداخل وفق ما يُخيفنا، فنحن لا نغير مواقفنا فقط، بل نعيد كتابة حقيقتنا بالكامل، وهنا لا يعود الصنم حجرًا يُرى، بل يتحول إلى شعور صامت يقودنا، يحدد ما نقول، وما نصمت عنه، وما نبرره، وما نتجاهله.

وعند هذه اللحظة تحديدًا، يصبح السؤال أكثر حدة وصدقًا من أي وقت مضى:
هل ما زلنا نملك شجاعة أن نرى الحق كما هو  أم أننا لم نعد نراه إلا بالقدر الذي يسمح به خوفنا؟

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *