كتب | سعيد السُبكي
في الشرق الأوسط، لا تبدأ الحروب دائمًا بقرار معلن، ولا تُخاض دائمًا دفاعًا عن الأرض. كثيرًا ما تبدأ الحروب تحت عناوين براقة: “حماية الاستقرار”، “منع الفوضى”، أو “الالتزام بالمسؤولية الإقليمية”. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم بحدة: هل يمكن أن تقع مصر في هذا الفخ؟
الحديث المطمئن عن أن “مصر لا تريد الحرب” لم يعد كافيًا. فالإقليم يغلي، والقوى الكبرى تعيد ترتيب أوراقها بلا اعتبار لحسابات الدول المتوسطة. الأخطر أن الحروب الحديثة لا تُفرض بالسلاح فقط، بل بالضغوط الاقتصادية، وبالابتزاز السياسي، وبإيهام الحلفاء أن المشاركة المحدودة لن تتحول إلى مواجهة شاملة.
مصر دولة محورية، لكنها أيضًا دولة مُثقلة بالتحديات. وهذا بالضبط ما يجعلها هدفًا مثاليًا لمحاولات الاستدراج. فكلما اشتدت الأزمات في غزة أو البحر الأحمر أو ليبيا، ارتفع منسوب “التوقعات الدولية” لدور مصري أكبر، لا دفاعًا عن مصر، بل دفاعًا عن مصالح الآخرين.
أنصار الرأي القائل إن “مصالح الغرب تحمي مصر” يتجاهلون حقيقة قاسية: الغرب لا يحمي الدول، بل يحمي مصالحه. قناة السويس، وأمن الطاقة، والهجرة، كلها أسباب تجعل استقرار مصر مهمًا… لكن مهمًا إلى أن يصبح التدخل أقل كلفة من الحياد. عندها، قد يُطلب من القاهرة أكثر مما تستطيع تحمله، وبلا ضمانات حقيقية.
التجربة القريبة تُظهر أن الغرب لا يتردد في ترك حلفائه يواجهون العاصفة إذا تغيّرت الأولويات. من أفغانستان إلى أوكرانيا، الدرس واحد: من يدفع الثمن ليس من يضع الاستراتيجية، بل من يعيش في مسرح العمليات. والسؤال الصادم هنا: هل ستكون مصر استثناءً؟
الخطر لا يكمن في حرب شاملة، بل في “تورط محسوب” يبدأ بوساطة، ثم بتأمين، ثم بانتشار محدود، قبل أن يتحول إلى التزام مفتوح. عندها، لن يكون القرار مصريًا خالصًا، بل نتاج شبكة ضغوط وتعهدات يصعب التراجع عنها.
الخلاصة القاسية أن مصر ليست محصنة تلقائيًا من الحرب، ولا محمية إلى الأبد بمصالح الغرب. الضمانة الوحيدة هي الرفض الصريح لأي دور يتجاوز حماية الأمن القومي المباشر، والوعي بأن الحياد المدروس قد يكون في هذه المرحلة أكثر وطنية من البطولة الزائفة. فأسوأ الحروب هي تلك التي تُخاض نيابةً عن الآخرين… وتُدفع فاتورتها من دم ومستقبل الوطن.
