القائمة

هذا الطالب اختار أن يثق في نظام بلده.

Linda Seleem أسبوعين مضت 0 8.8 ألف

بقلم د.ليندا سليم

البكالوريا المصرية جاءت إلى الطالب بفكرة تبدو في ظاهرها مختلفة عن نظام الثانوية التقليدية، مواد تُوزع على عامين، وضغط أقل، وفرص متعددة للامتحان، وإمكانية للتحسين، بحيث لا يصبح مستقبل الطالب كله معلقًا بمحاولة واحدة أو يوم واحد، لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن: ماذا يحدث عندما يتحول شرط من شروط الانتظام إلى بوابة تمنع الطالب أصلًا من الوصول إلى الفرصة الأولى؟

وفقًا للضوابط المعلنة، يشترط على طالب الصفين الثاني والثالث بنظام البكالوريا إنجاز 60% من الأداءات والتقييمات الأسبوعية والشهرية لكل مادة حتى يكون مؤهلًا لدخول امتحان الفرصة الأولى، على أن يدخل من لم يستوفِ النسبة المطلوبة الفرصة الثانية. وأكد وزير التربية والتعليم أن الهدف من ذلك هو دفع الطلاب إلى الانتظام في الدراسة والمشاركة المستمرة في العملية التعليمية داخل المدرسة.

ولا أحد يختلف مع أهمية الانتظام، ولا مع ضرورة أن يكون الطالب حاضرًا في العملية التعليمية، ولا مع فكرة أن التعليم لا ينبغي أن يتحول إلى امتحان نهائي فقط، لكن المشكلة تبدأ عندما نتعامل مع جميع الطلاب وكأن ظروفهم واحدة، بينما الواقع يقول غير ذلك تمامًا.

وهنا يظهر الطالب المصري المقيم في الخارج، وليس الزائر.

هناك فرق كبير بين طالب يذهب إلى دولة أخرى لفترة قصيرة ثم يعود إلى مصر، وبين طالب يعيش مع أسرته في الخارج إقامة مستقرة، ترتبط حياته اليومية بإقامة قانونية وتجديدات ورسوم والتزامات مالية، وقد ترتبط إقامة أسرته بعمل الأب أو الأم، وبنظام الدولة التي يعيشون فيها، وبمواعيد محددة للتجديد والخروج والعودة، وتكاليف معيشة وسفر لا يمكن تجاهلها.

هذا الطالب ليس عابرًا.

هو مقيم.

وكونه يعيش خارج مصر لا يعني أنه يستطيع أن يقطع آلاف الكيلومترات كلما كان عليه حضور تقييم أو أداء مهمة مدرسية.

في المملكة العربية السعودية مثلًا، الأسرة المقيمة تتحمل التزامات الإقامة وما يرتبط بها من رسوم وتجديدات ومصاريف معيشية، فضلًا عن تكلفة السفر نفسها إذا اضطرت إلى العودة إلى مصر بصورة متكررة.

فماذا يفعل الطالب الذي يريد أن يظل داخل منظومة التعليم المصرية؟

هل يسافر إلى مصر كل شهرين أو ثلاثة حتى يستطيع حضور التقييمات؟

تذكرة ذهاب، وتذكرة عودة، وإقامة، ومواصلات، وإجراءات سفر وخروج وعودة، ورسوم والتزامات مالية، ثم يعود مرة أخرى إلى البلد الذي يعيش فيه، وكأن إقامة أسرته في الخارج مجرد رحلة قصيرة يمكن قطعها في أي وقت.

وهنا لا نتحدث عن ترف.

نحن نتحدث عن أسرة تدفع بالفعل تكلفة الإقامة والحياة في الخارج، ثم تجد نفسها مطالبة بتكلفة إضافية حتى لا يخسر ابنها فرصة امتحانية.

والأمر لا يقتصر أصلًا على الطالب الذي يدرس من خلال منظومة تعليمية للمصريين في الخارج.

فهناك طالب آخر له مدرسة داخل مصر ومقيد بها بالفعل، لكنه يقيم مع أسرته في الخارج إقامة مستقرة وليس زائرًا، ويخطط للعودة إلى مصر لأداء الامتحان.

هذا الطالب أيضًا قد لا تمكنه ظروف إقامته من الحضور المنتظم للتقييمات طوال العام، رغم أنه لم يتخلَّ عن حقه في الدراسة داخل منظومة التعليم المصرية، ولم يطلب إعفاءه من الامتحان، ولم يطلب أن يحصل على شهادة دون تقييم.

هو فقط يعيش خارج مصر.

فهل من المنطقي أن تكون حقوقه أقل من حقوق زميله الموجود داخل مصر لمجرد أن أسرته اختارت الإقامة في الخارج؟

إذا كان هذا الطالب يستطيع العودة إلى مصر لأداء الامتحان، فمن الطبيعي أن تكون هناك آلية واضحة وعادلة للتعامل مع التقييمات التي تعذر عليه حضورها بسبب إقامته، بدلًا من أن يتحول السفر المتكرر إلى شرط غير معلن للحفاظ على حقه في الفرصة الأولى.

الإقامة هي محل الاعتبار، لا نوع المدرسة.

فالطالب المصري المقيم في الخارج، سواء كان يدرس في مدرسة مصرية داخل مصر أو في منظومة تعليمية للمصريين بالخارج، ليس زائرًا يستطيع الانتقال إلى المدرسة كلما طُلب منه ذلك.

وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد نسبة الـ60%.

هل التقييم يقيس تعلم الطالب، أم يقيس قدرته على الحضور في المكان الذي حددته اللائحة؟

إذا كان الهدف من التقييم هو التأكد من أن الطالب يتعلم، فالسؤال الصحيح يجب أن يكون: كيف نثبت تعلم الطالب المقيم في الخارج؟

وليس: كيف نجبره على العودة إلى مصر؟

وهنا يمكن لوزارة التربية والتعليم أن تضع حلولًا عملية لا تتعارض مع فلسفة التقييم المستمر، مثل تقييمات إلكترونية موحدة وموثقة، أو مراكز معتمدة في الدول التي توجد بها كثافات كبيرة من الطلاب المصريين، أو آلية محددة للطالب المقيم بالخارج تثبت أداءه وجديته، دون أن يصبح السفر المتكرر شرطًا غير معلن لدخول الامتحان.

فالهدف من التقييم أن يقيس تعلم الطالب، لا قدرته على شراء تذكرة طيران.

والهدف من الانضباط أن يحمي العملية التعليمية، لا أن يتحول إلى عبء مالي وجغرافي على أسرة اختارت أن تظل مرتبطة بالتعليم المصري.

ثم إن فلسفة البكالوريا نفسها تقوم على إتاحة فرص متعددة للطالب، وقد نص الإطار التنظيمي للنظام على إتاحة فرص متعددة لدخول الامتحان مرتين في العام الدراسي الواحد.

فما قيمة أن تقول للطالب: لديك فرصتان، إذا كان أحد الشروط قد يدفعه إلى خسارة الفرصة الأولى قبل أن يصل إليها؟

الفرصة الثانية يفترض أن تكون فرصة تحسين.

أما أن تتحول إلى فرصة اضطرارية لطالب لم يستطع استيفاء نسبة التقييمات بسبب ظروف إقامته خارج مصر، فهنا تتغير فلسفة الفرص تمامًا.

الطالب الذي يدخل المحاولة الأولى ثم يقرر تحسين نتيجته، هو طالب استفاد من فلسفة البكالوريا كما صُممت.

أما الطالب الذي يجد نفسه مضطرًا إلى المحاولة الثانية لأنه لم يتمكن من حضور التقييمات بسبب إقامته خارج مصر، فهو لم يحصل على الميزة نفسها، حتى لو كان الاثنان يدرسان المنهج نفسه ويجلسان أمام الامتحان نفسه.

وهنا لا بد من التمييز بين أمرين مختلفين تمامًا:

طالب لا يريد أن يتعلم، وطالب يريد أن يتعلم لكنه لا يستطيع الانتظام الحضوري بسبب ظروف إقامته.

الأول يحتاج إلى انضباط.

أما الثاني فيحتاج إلى حل تعليمي عادل.

ولا ينبغي أن تعاقب اللائحة الاثنين بالطريقة نفسها.

نحن لا نطالب بإعفاء الطالب المقيم في الخارج من التقييم، ولا نطالب بإلغاء الانضباط، ولا نطالب بمنحه ميزة لا يحصل عليها زميله داخل مصر.

نحن نطالب فقط بأن يكون هناك طريق عادل لإثبات التعلم، مهما كان مكان إقامة الطالب.

فالعدالة التعليمية ليست أن نعطي الجميع الورقة نفسها، وإنما أن نضمن أن الجميع يستطيع الوصول إلى الامتحان والفرصة بالشروط العادلة نفسها، دون أن يتحول اختلاف الظروف الاقتصادية والجغرافية إلى اختلاف في الحقوق التعليمية.

والطالب المصري المقيم في الخارج يدفع بالفعل ثمن غربته.

تدفع أسرته تكاليف الإقامة، والتجديد، والالتزامات المالية، والمعيشة، والسفر، وفي بعض الحالات تتحمل فوق ذلك تكلفة إبقاء أبنائها داخل منظومة التعليم المصرية، لأنها اختارت ألا تقطع صلتها بمنهج بلدها.

فلا ينبغي أن يدفع الطالب فوق ذلك ثمنًا تعليميًا إضافيًا لمجرد أنه يعيش خارج مصر.

وهنا أتمنى أن تنظر وزارة التربية والتعليم إلى المسألة من زاوية أوسع.

البكالوريا المصرية ليست امتحانًا فقط، وإنما فلسفة.

وفلسفة النظام الجديد يجب أن تتسع للطالب المصري أينما كان، لا أن تصبح مرونتها متاحة فقط لمن يستطيع أن يكون حاضرًا جغرافيًا داخل مصر.

هناك أبناء مصر في السعودية والإمارات والكويت وقطر وسائر الدول، بعضهم مولود في الخارج، وبعضهم نشأ فيه، وبعضهم يعيش مع أسرته إقامة مستقرة منذ سنوات، ومع ذلك ما زال متمسكًا بتعليم بلده، ويريد أن يمتحن بشهادة مصرية، ويريد أن يظل مستقبله الجامعي مرتبطًا بمصر.

هذا الطالب اختار أن يثق في نظام بلده.

فلا تجعلوا هذه الثقة عبئًا عليه.

إذا كانت البكالوريا المصرية مشروعًا جديدًا يقوم على المرونة، وتوزيع المواد، وتعدد الفرص، وإمكانية التحسين، فعليها أن تثبت مرونتها في أصعب الحالات، لا في أسهلها.

فالاختبار الحقيقي لمرونة البكالوريا ليس أن تكون مرنة للطالب الموجود أمام المدرسة، وإنما أن تكون قادرة على احتواء الطالب المصري الذي يعيش آلاف الكيلومترات بعيدًا عنها.

نريد تقييمًا حقيقيًا.

نريد انضباطًا.

نريد طالبًا يتعلم.

لكننا نريد أيضًا عدالة في الوصول إلى الفرصة.

ولا نريد أن يصبح دخل الأسرة وقدرتها على شراء تذاكر الطيران عاملًا غير معلن في تحديد ما إذا كان الطالب سيحصل على فرصته الأولى أم لا.

الطالب المقيم في الخارج ليس طالبًا أقل مصرية، وليس أقل التزامًا بالتعليم المصري، وليس أقل استحقاقًا لفرص البكالوريا.

وإذا كانت الوزارة تريد أن تجعل البكالوريا المصرية نظامًا حديثًا ومرنًا، فعليها أن تضع في حسابها أن المصريين لم يعودوا جميعًا يعيشون داخل الحدود.

لا تحرموا المقيم في الخارج من ميزة اختار البكالوريا من أجلها.

افتحوا له طريقًا عادلًا للتقييم، واتركوا له فرصه كاملة، ودعوا العلم هو الذي يحدد مستواه، لا عدد المرات التي استطاعت أسرته فيها أن تعيده إلى مصر.

البكالوريا المصرية لا ينبغي أن تجعل الغربة ثمنًا إضافيًا يدفعه الطالب حتى يثبت أنه يستحق الفرصة الأولى.

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *