القائمة

هدنة على حافة الانفجار… استراحة ما قبل الحرب الكبرى

غرفة الأخبار أسبوعين مضت 0 9.1 ألف

ماجدة محمود … تكتب

في عالم السياسة، لا تأتي التهدئة في اللحظات الحرجة إلا وهي تحمل في داخلها بذور تصعيد أكبر، وما جرى بين دونالد ترامب وإيران لم يكن تراجعًا بقدر ما كان إعادة تموضع محسوبة بدقة، حيث توقفت ضربة كانت تقترب من التنفيذ، لا لأن قرار الحرب سقط، بل لأن توقيته أعيد ضبطه وفق حسابات أكثر تعقيدًا تتجاوز مجرد رد الفعل إلى صناعة المشهد بالكامل.

الهدنة التي فرضت نفسها في اللحظة الأخيرة لا تعني أن التوتر انخفض، بل تعني أن كل طرف حصل على ما هو أثمن من المواجهة المباشرة، وهو الوقت، فالولايات المتحدة لم تتخل عن خيار القوة، لكنها اختارت أن تضغط سياسيًا وتراقب ميدانيًا وتعيد تقييم تكلفة الضربة وتأثيرها، بينما استغلت إيران هذه المساحة لتثبيت مواقعها وتعزيز جاهزيتها وتحريك أوراقها الإقليمية، مدركة أن الصراع الحقيقي ليس في الضربة الأولى بل في القدرة على الاستمرار بعدها.

وفي قلب هذا المشهد تقف إسرائيل بين رغبتها في الحسم السريع وخشيتها من حرب غير محسوبة، فهي تدرك أن أي تأجيل يمنح خصمها فرصة إضافية للاستعداد، لكنها في الوقت ذاته لا تستطيع الانخراط في مواجهة مفتوحة دون تنسيق كامل مع واشنطن، ما يجعل موقفها أقرب إلى الانتظار القلق لا التهدئة المطمئنة.

بهذا الشكل تتحول الهدنة من إجراء لاحتواء الأزمة إلى أداة لإعادة تشكيلها، حيث لا يتوقف الصراع بل يتغير شكله، ولا تُلغى المواجهة بل يُعاد ترتيب توقيتها، ليصبح الهدوء الظاهري مجرد غطاء لحركة مكثفة تحت السطح، تتحرك فيها الحسابات العسكرية والسياسية بشكل أكثر حدة وخطورة.

المعضلة الحقيقية أن هذه المرحلة غالبًا ما تكون الأخطر، لأنها تمنح كل طرف فرصة لتقليل أخطائه وتعظيم تأثير ضربته القادمة، وهو ما يعني أن أي تصعيد لاحق لن يكون عشوائيًا، بل أكثر دقة وتنظيمًا وربما أكثر تدميرًا، وهنا يتحول السؤال من إمكانية اندلاع الحرب إلى توقيت انفجارها وشكلها وحدودها.

وفي النهاية، لا يمكن قراءة هذه الهدنة باعتبارها نهاية للتوتر، بل باعتبارها بداية لمرحلة أكثر تعقيدًا، حيث لا توجد استراحات حقيقية في صراعات بهذا الحجم، بل فقط فترات قصيرة تعاد فيها كتابة السيناريو قبل أن يُعرض الفصل الأكثر عنفًا، لتبقى الحقيقة الثابتة أن ما يبدو هدوءًا على السطح قد يكون في جوهره أقرب لحظة إلى الانفجار

magy-news@hotmail.com

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *