بقلم: د. علي الدكروري
أصبح سباق الذكاء الاصطناعي في العالم أكبر بكثير من المنافسة على تطوير أفضل نموذج أو برنامج.
خلف كل تطبيق للذكاء الاصطناعي توجد مراكز بيانات، ورقائق متقدمة، وشبكات كهرباء، وأنظمة تبريد، وكابلات واتصالات، وأراضٍ ومنشآت ومليارات الدولارات من الاستثمارات.
ولهذا أعتقد أن السؤال الاقتصادي الأهم خلال السنوات المقبلة لن يكون فقط: من يمتلك التكنولوجيا الأفضل؟
بل أيضًا: من سيمول البنية التحتية التي تحتاج إليها هذه التكنولوجيا؟
وهذا السؤال أصبح مهمًا بصورة خاصة بالنسبة لأوروبا.
خلال الفترة الأخيرة، اتجه عدد من أكبر شركات التكنولوجيا الأمريكية إلى أسواق السندات الأوروبية للحصول على التمويل اللازم لتوسعات ضخمة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.
الأمر في حد ذاته يعكس قوة السوق المالية الأوروبية.
فوجود شركات عالمية كبرى ترغب في الاقتراض باليورو يعني أن العملة الأوروبية وأسواق الدين في القارة تمتلكان عمقًا وسيولة وثقة تسمح بتمويل استثمارات بمليارات الدولارات.
لكن الصورة تحمل في الوقت نفسه سؤالًا استراتيجيًا مهمًا لأوروبا.
إذا كانت المدخرات ورؤوس الأموال الأوروبية قادرة على تمويل أكبر مشروعات الذكاء الاصطناعي في العالم، فهل تستطيع أوروبا استخدام القدر نفسه من القوة المالية لبناء شركاتها ومنصاتها وبنيتها التكنولوجية الخاصة؟
هذه ليست دعوة لإغلاق الأسواق أمام الشركات الأمريكية.
فالاقتصاد العالمي يقوم على حركة رأس المال، والسوق الناجحة هي السوق التي تستطيع جذب أفضل المقترضين والمستثمرين من مختلف دول العالم.
لكن وجود سوق مالية قوية وحده لا يكفي لبناء اقتصاد تكنولوجي قوي.
رأس المال يذهب إلى المشروع القادر على إقناعه بالعائد.
وهنا تكمن المسألة.
الولايات المتحدة لا تمتلك فقط شركات التكنولوجيا الكبرى، وإنما تمتلك أيضًا منظومة متكاملة تستطيع تحويل الأفكار التكنولوجية إلى شركات ضخمة ثم إلى استثمارات بمئات المليارات.
هناك رأس مال مغامر.
وأسواق مالية عميقة.
وشركات تستطيع تحمل استثمارات هائلة لسنوات قبل الوصول إلى كامل العائد.
ومراكز بحث وجامعات.
وسوق موحدة كبيرة.
وثقافة استثمارية تقبل مستويات مرتفعة من المخاطر عندما تكون الفرصة كبيرة.
أما أوروبا، فرغم امتلاكها مدخرات ضخمة وكفاءات علمية وهندسية متميزة وشركات عالمية، فإن جزءًا من التحدي لا يزال يتمثل في تحويل هذه العناصر إلى شركات تكنولوجية قادرة على النمو بالسرعة والحجم نفسيهما.
وهذا ما يجعل قضية تمويل الذكاء الاصطناعي أكبر من مجرد قضية تكنولوجية.
إنها قضية تتعلق ببنية الاقتصاد الأوروبي نفسه.
فعندما تحتاج شركة ناشئة أوروبية إلى التمويل والتوسع في عدة دول، فإنها ما زالت تواجه في بعض الحالات أسواقًا وقواعد وأنظمة مختلفة.
وقد تستطيع الشركة أن تبدأ في أوروبا، لكنها عندما تصل إلى مرحلة النمو الكبير تبدأ في البحث عن تمويل أو سوق أكثر قدرة على استيعاب طموحاتها خارج القارة.
وهنا تخسر أوروبا ليس الفكرة بالضرورة، وإنما المرحلة التي تتحول فيها الفكرة إلى شركة عالمية.
وذلك هو الجزء الأكثر قيمة اقتصاديًا.
فالذكاء الاصطناعي لن يخلق قيمة فقط لمن يطور التطبيقات.
القيمة ستنتشر عبر سلسلة ضخمة تبدأ بالطاقة وتنتهي بالبرمجيات.
مراكز البيانات تحتاج إلى كهرباء.
الكهرباء تحتاج إلى شبكات واستثمارات.
الخوادم تحتاج إلى رقائق.
الرقائق تحتاج إلى مصانع وتقنيات ومواد متقدمة.
مراكز البيانات نفسها تحتاج إلى عقارات صناعية وأنظمة تبريد واتصالات وأمن سيبراني.
ثم تأتي فوق كل ذلك التطبيقات التي ستستخدم هذه القدرة الحاسوبية.
وبالتالي فإن كل يورو يتم استثماره في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي يمكن أن يخلق طلبًا في عدد كبير من القطاعات.
وهنا توجد فرصة كبيرة لأوروبا.
القارة تمتلك شركات قوية في الطاقة والهندسة والتصنيع والمعدات والاتصالات وأشباه الموصلات المتخصصة.
كما تمتلك قاعدة علمية وبحثية يصعب تجاهلها.
ولذلك فإن المنافسة الأوروبية في الذكاء الاصطناعي لا يجب أن تكون محاولة لتقليد النموذج الأمريكي حرفيًا.
يمكن لأوروبا أن تبني نموذجها الخاص اعتمادًا على نقاط قوتها.
قد تكون الفرصة الأوروبية الأكبر في الذكاء الاصطناعي الصناعي.
أي استخدام التكنولوجيا داخل المصانع والطاقة والسيارات والدواء والطيران والهندسة والخدمات اللوجستية وغيرها من القطاعات التي تمتلك فيها أوروبا خبرات عالمية بالفعل.
فشركة صناعية تمتلك عشرات السنوات من البيانات والخبرة الهندسية يمكن أن تحقق قيمة ضخمة عندما تدمج هذه المعرفة مع الذكاء الاصطناعي.
وهذا قد يكون أحد المجالات التي تستطيع أوروبا من خلالها تحويل قوتها الصناعية التقليدية إلى قوة تكنولوجية جديدة.
لكن ذلك يحتاج إلى رأس مال.
والأرقام التي نراها اليوم في تمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي تؤكد أن المرحلة المقبلة ستكون كثيفة الاستثمار بدرجة غير مسبوقة.
مراكز البيانات وحدها تحتاج إلى استثمارات ضخمة.
وتأمين الطاقة اللازمة لتشغيلها يمثل تحديًا آخر.
كما أن تطوير الرقائق والقدرات الحاسوبية يحتاج إلى مستويات تمويل كانت قبل سنوات قليلة تبدو استثنائية، لكنها أصبحت اليوم جزءًا طبيعيًا من المنافسة.
ولهذا أرى أن أوروبا تحتاج إلى التركيز على ثلاثة محاور متوازية.
الأول هو تحويل المدخرات الأوروبية إلى استثمارات منتجة داخل الاقتصاد الأوروبي.
ليس المطلوب أن تتوقف المدخرات الأوروبية عن تمويل الشركات العالمية، بل أن تتوافر داخل أوروبا مشروعات وشركات قادرة على جذب جزء أكبر منها.
والمحور الثاني هو توسيع قدرة الشركات الأوروبية على النمو.
أوروبا لا تعاني نقص الأفكار.
التحدي كثيرًا ما يبدأ بعد نجاح الفكرة، عندما تحتاج الشركة إلى مئات الملايين أو المليارات حتى تنتقل إلى المستوى العالمي.
وهنا يجب أن تستطيع الأسواق الأوروبية توفير رأس المال الذي يسمح للشركات بالبقاء والنمو داخل القارة.
أما المحور الثالث فهو ربط التكنولوجيا بالصناعة والطاقة.
الذكاء الاصطناعي ليس اقتصادًا منفصلًا.
إذا تم التعامل معه باعتباره مجرد قطاع برمجيات، فلن تستفيد أوروبا من كامل قدراتها.
لكن إذا أصبح جزءًا من تحديث الصناعة والطاقة والنقل والصحة والخدمات، يمكن أن يساهم في رفع الإنتاجية وتعويض نقص العمالة وتحسين القدرة التنافسية.
وأعتقد أن النقاش حول الذكاء الاصطناعي في أوروبا يجب أن ينتقل تدريجيًا من التركيز على التنظيم فقط إلى سؤال الاستثمار.
القواعد ضرورية.
وحماية البيانات والخصوصية مهمة.
والأبعاد الأخلاقية للتكنولوجيا لا يمكن تجاهلها.
لكن الاقتصاد لا ينافس بالقواعد وحدها.
ينافس أيضًا برأس المال والسرعة والابتكار والقدرة على تحويل التكنولوجيا إلى شركات ومنتجات وأسواق.
وربما تكون المفارقة الحالية مفيدة لأوروبا.
عندما تأتي أكبر شركات التكنولوجيا العالمية إلى الأسواق الأوروبية بحثًا عن التمويل، فهي تقول بصورة غير مباشرة إن رأس المال موجود.
وهذا خبر جيد.
السؤال الآن هو كيف تستطيع أوروبا أن تجعل المزيد من هذا المال يبحث أيضًا عن الشركة الأوروبية القادمة، ومركز البيانات الأوروبي، والمصنع الذكي الأوروبي، ومنصة الذكاء الاصطناعي الأوروبية.
في الاقتصاد، رأس المال لا يحمل جواز سفر.
إنه يبحث عن الثقة والعائد والفرصة.
ولذلك فإن أفضل وسيلة للاحتفاظ برأس المال ليست منعه من الخروج، وإنما خلق فرص تجعله يريد البقاء.
أوروبا لا ينقصها المال لتمويل سباق الذكاء الاصطناعي.
التحدي الحقيقي هو أن تمتلك عددًا كافيًا من المشروعات والشركات القادرة على إقناع هذا المال بأن مستقبل التكنولوجيا يمكن أن يُبنى في أوروبا أيضًا.
وهنا يصبح السؤال: من يمول الذكاء؟
لكن السؤال الأهم بعده مباشرة هو:
وأين ستُبنى القيمة التي يمولها؟

كندا تقترب من أوروبا
الاستثمار الحقيقي… لا يبدأ برأس المال بل بالرؤية