انا متوقف عن التفاعل على الفيس منذ فترة لظروف عديدة لا مجال لذكرها هنا، غير أنني استسمح الأصدقاء في نشر هذا البوست الذي يدخل بالنسبة لي في إطار “مما ليس منه بد”.
ظاهرة توفيق عكاشة
يذكر الدكتور جلال أمين في أحد كتبه – “ماذا حدث للمصريين؟” على ما أتذكر – انه خلال فترة قيامه بالتدريس في الجامعة الأمريكية كان الطلاب يعاملونه بإجلال بشكل يكاد يوحي له بأنه شخص استثنائي في الحياة، ورغم ذلك فإنه كما يشير، وبينه وبين نفسه لم ينساق لإغراءات هذه الحالة. استطيع تصور ذلك على ضوء ما عايشته شخصيا حيث كنا نرتفع ببعض اسأتذتنا في كلية الإقتصاد والعلوم السياسية الى مرتبة عظمى وعظيمة. ومن هؤلاء، على أيامنا، مثلا المرحوم الدكتور رفعت المحجوب بهيبته وجلاله، والدكتور حامد ربيع والدكتور محمود خيري عيسى، والذي كنا نتصور أننا بالحضور الى جوارهم وفي رحابهم وكأننا نعيش في عالم ثاني.
شخصيا عشت حالة غريبة فترة محدودة من الزمن كنت اقوم خلالها بمهمة في جهة رسمية كانت تقتضي – على غير رغبتي وعاداتي – أن أرتدي يوميا البدلة والكرافت، وكان العمال والإداريون يستقبلونني وكأنني من كوكب ثاني، كنت أسمع خبطة تعظيم سلام من قبل أحدهم وكأني في مرتبة من المراتب العلي. كنت أود أن أخبر هؤلاء بالحقيقة ولكني خفت أن أصدمهم أو أقلل من شأن نفسي وإن حاولت توصيل الفكرة بشكل أوبأخر ولكن الأهم بالنسبة لي أن الغرور لم يتسرب الى نفسي.
هذه المقدمة الطويلة ربما تكون ضرورية لتوصيل الفكرة التي أريد التعرض لها بخصوص ما اعتبره أو أصفه بظاهرة توفيق عكاشة. فالرجل خلال الفترة الأخيرة تجاوز فكرة أنه أصبح ملء السمع والبصر وتتهافت عليه الفضائيات وقنوات اليوتيوب إلى حد التحول لعلامة فارقة في سماء حياتنا الإعلامية وغير الإعلامية. أحيانا أتصور أنه يجد مشكلة في تنسيق وترتيب مواعيد الظهور على هذه الفضائيات لدرجة حدوث تضارب. فمن الـ”بي بي سي” الى “سكاي نيوز” عربية الى قناة “المشهد” الى موقع “مصراوي” الى “من واشنطن” مع حافظ الميرازي.. ألخ .
المشكلة أن هذا ولد لدى عكاشة، الشعور بأنه خبير استراتيجي لا يشق له غبار، بشكل صدق معه هو نفسه بأنه ذلك الرجل، وبشكل تحولت معه حالة الأهمية المصنوعة أو المصطنعة إلى أهمية طبيعية، وكأنها “بنت” الحقيقة. ليس فيما أقول – على ما أرى- تجنيا على توفيق وإنما يمكن أن تلمس ذلك بنفسك من أنه راح يشيرعلى جهات عليا بإتخاذ ما يراه لازما للتعامل مع أوضاع معينة. اعتقد أنه من الخطأ وصف تلك الحالة بانها تعبر عن نوع من الغرور، وربما يكون الوصف الدقيق لها هي أنها نوع من جنون العظمة “اللا إرادي” الذي ينبثق من اللا وعي وهو أمر ينتج عن الإلحاح المجتمعي وغير المجتمعي (الإقليمي والدولي!) على أهمية للشخص الذي يصاب بهذا الداء.
عندما أتأمل في ظاهرة توفيق أو “العكش” كما يحلو للبعض تسميته وهي تسمية أتحفظ عليها، رغم أن هناك من يتسمى بهذا الإسم ويحظى بمكانة متميزة في عقلي وهو “منير العكش” – راجع سيرته على شبكة الأنترنت – ألتمس له بدلا من العذر ألف. تزايد لدى هذا الشعور اثر متابعة لقائه مع الإذاعية فضيلة السويسي في “السؤال الصعب” على “سكاي نيوز” عربية، فقد كانت في حالة “إذمهلال” ربما يخيّل لك معه أن فضيلة تتصور أن الحوار مع كيسنجر أو حسنين هيكل وليس مع توفيق! (أنا نفسي شعرت بزهو وفخر من أن مصريا من بني جلدتنا يحظى بكل هذا التبجيل والتقدير!!). غير أنه اذا كان جلال أمين نجا من الحالة التي بدأنا بها المقال فليس كل من يتعرض لهذا الامر يمكن أن ينجو .. وتوفيق نموذج.
المشكلة الأكبر أن توفيق يشعر أنه يتطور، على شاكلة تطور النموذج البشري وفقا لنظرية داروين، للحد الذي يرتقي معه من حالة الخبير الإستراتيجي الى مرحلة العيش في وضع تقديم التوقعات المستقبلية بشكل يكاد أن يقترب، في منظور البعض، من حالة أصحاب النبوءات أو العرافين .
ورغم تلك الصورة الذهنية عن توفيق عكاشة التي أسهم الفضاء العام في تخليقها، كشخصية قادرة على تحليل ورصد الأحداث وتقديم رؤية استشرافية بشأن مساراتها المستقبلية وعلى النحو الذي يمكن لها أن تجد صدى لدى صانع القرار، فربما كان أفضل تعبير عن وضع توفيق الحقيقي هو ذلك الذي عبرت عنه المقدمة التي سبقت حواره مع الزميل والصديق مجدي الجلاد على “مصراوي”، فهو فلاح ميسور الحال وكفى، من عائلة ثرية لديه الهوس بالإعلام وخاض تجربته وانتهت، بشكل ربما كان ينبغي عليه معها أن يقضي بقية ايام حياته بين أحصنته ومزرعته وخدمه وحشمه!. لكن بسبب تشابكات الأوضاع داخليا وخارجيا، والحنين الى الظهور مجددا فقد تحول الرجل الى إعلامي وظيفي، أو إعلامي (on call) يتم استدعائه كترس في ماكينة تسويق أفكار معينة تهدف الى تزييف وعي الجماهير وغسل أدمغتها، والنفس أمارة بالسوء والشهرة حلوة والفلوس أحلى!
ولعل تحليل مضمون الأفكار والأراء التي يقدمها توفيق في حواراته يكشف عن ذلك بجلاء، وخاصة تلك التي يقدمها بشأن إيران والترويج لهزيمتها في المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. شخصيا أنا من أكثر الناس إيمانا بأن ايران عادت عقود الى الوراء بسبب الحرب وخسائرها خلالها، لكن ذلك شئ وإشاعة روح الهزيمة بالحديث عن انكسارها شئ آخر. واذا كان يقال أن افغانستان مثلا كانت مقبرة الإمبراطورية السوفيتية، على ضوء ما حدث من تفكك للإتحاد السوفيتي بعد عقد من الغزو، فربما يمكن القول دون تجاوز أن ايران رغم خسارتها مقبرة الإمبراطورية الأمريكية، بعيدا عن توقيت سقوط تلك الإمبراطورية اقترب ام بعد.
اذا أردت أن تدرك صحة الرؤية التي أقدمها فما عليك سوى تتبع الحالة المماثلة للشيعي اللبناني محمد علي الحسيني والذي أدى دورا “رائعا” من منظور الخصم في تل أبيب خلال الحرب الإسرائيلية مع حزب الله خلال فترة الحرب على غزة حيث كان الرجل يردد ما قد يصل الى معلومات مستقبلية في صورة توقعات ونبوءات حدثت كلها أو أغلبها تقريبا، وربما كان مصدر المعلومات غامضا وإن كان يمكن للمرء توقعه، دون أن أفيض أو أزيد.
الخلاصة أن توفيق عكاشة ليس خبيرا استراتيجيا ولا حاجة، وأن توفيق يا جماعة، وهذا ليس ذنبه أو شئ يقلل منه، بسيط أكثر من البساطة نفسها، وأنه فيما يردده ويصول به ويجول، إنما يقول ما يملى عليه بالطريقة والشكل الذي يتصور أنه يلقى القبول لدى الناس.. وتلك هي الطامة الكبرى.
