د. ماجدة محمود
هناك أماكن لا تنتهي علاقتنا بها عند حدود الجغرافيا، فبعض المدن تترك في الذاكرة ما هو أبقى من الشوارع والميادين، وتمنح من عاش فيها طويلًا قدرة خاصة على التقاط التفاصيل التي تمر أمام الآخرين عابرة، لكنها تظل في داخله تنتظر لحظة أخرى كي تتحول إلى حكاية. ومن بين هذه المساحات التي امتدت من الحياة إلى الذاكرة، تأتي لاهاي في تجربة الكاتب والصحفي سعيد السبكي، لتظهر هذه المرة لا كمدينة فحسب، وإنما كفضاء إنساني تتقاطع فيه الوجوه والأصوات والمواقف والأسئلة التي لا تنتهي بانتهاء الخبر أو إغلاق الصفحة.
ومن هنا تبدو مجموعة «ظلال لاهاي» الصادرة عن دار المرايا للثقافة والفنون، إضافة جديدة إلى المسيرة الطويلة لسعيد السبكي، الذي عرفته الصحافة والإعلام كاتبًا وصحفيًا وصاحب تجربة ممتدة في العمل الإعلامي والثقافي، قبل أن يفتح في هذا الكتاب مساحة أخرى لصوت مختلف، أكثر قربًا من الإنسان، وأكثر قدرة على ملامسة ما تخفيه التفاصيل اليومية خلف ظاهرها البسيط.
فالكتاب الذي يضم خمس عشرة قصة لا يقدم عالمًا واحدًا مغلقًا، وإنما يفتح أبوابًا متعددة على الواقع والخيال، وعلى أسئلة الإنسان في زمن تتغير فيه علاقته بنفسه وبالآخر وبالتكنولوجيا من حوله. وفي عدد من قصص المجموعة يحضر الخيال العلمي والذكاء الاصطناعي، لكن حضور التكنولوجيا لا يأتي باعتبارها موضوعًا تقنيًا مجردًا، وإنما بوصفها مرآة جديدة لعلاقات الإنسان ومخاوفه واختياراته، وللسؤال الأقدم الذي ظل يرافق الأدب منذ بداياته: ماذا يحدث للإنسان عندما تتغير الأشياء من حوله بسرعة أكبر من قدرته على فهمها؟
وربما تكمن إحدى نقاط قوة «ظلال لاهاي» في أن خلف كل هذه العوالم يظل الإنسان حاضرًا في المقدمة. الإنسان الذي يحب ويخاف ويخطئ ويبحث عن معنى، والذي قد يجد نفسه في مواجهة موقف عابر يغير شيئًا في داخله، أو أمام سؤال لم يكن مستعدًا لطرحه على نفسه. ولهذا لا تبدو القصص مجرد أحداث متتابعة، وإنما مساحات للتأمل في العلاقات والحياة والاختيارات، وفي ذلك الجزء الخفي من النفس الذي لا يظهر عادة في الأخبار ولا تمنحه الوقائع اليومية وقتًا كافيًا للكلام.
وهنا تبرز خصوصية التجربة التي يحملها سعيد السبكي معه من سنوات الصحافة والإعلام. فالصحفي يتعلم أن ينظر إلى التفاصيل، أن ينتبه إلى ما وراء الكلمات، وأن يقرأ المشهد من أكثر من زاوية، بينما يمنح الأدب صاحبه فرصة أخرى؛ فرصة لأن يتوقف قليلًا أمام التفاصيل نفسها، لا ليسأل فقط ماذا حدث، وإنما ماذا ترك ما حدث في الإنسان.
وبين الصحافة والأدب مساحة مشتركة واسعة، هي الإنسان. الصحافة ترصد اللحظة، أما الأدب فيمنح اللحظة عمرًا أطول. الصحفي يلاحق الخبر قبل أن يفقد راهنيته، بينما يستطيع الكاتب أن يعود إلى موقف قديم بعد سنوات، فيكتشف أن وراءه قصة لم تُكتب بعد. ولعل هذه المسافة بين الخبر والحكاية هي التي تجعل تجربة السبكي في «ظلال لاهاي» جديرة بالقراءة، لأنها تحمل أثر عين اعتادت مراقبة العالم، لكنها هذه المرة اختارت أن تمنح الخيال والذاكرة مساحة أكبر.
ولاهاي التي ارتبطت بجانب مهم من تجربة السبكي المهنية والإنسانية، تصبح في الكتاب أكثر من مجرد اسم لمكان. إنها خلفية تتحرك عليها الشخصيات والأسئلة، وتتحول المدينة تدريجيًا إلى ذاكرة وتجربة ومناخ إنساني، تمامًا كما يحدث مع المدن التي نعيش فيها طويلًا؛ لا تعود مجرد خرائط، وإنما تصبح جزءًا من تكويننا، نحمل منها ما لا نعرف أحيانًا أننا حملناه معنا.
و«ظلال لاهاي» ليست مجرد عنوان لمجموعة قصصية، بل عنوان يترك للقارئ مساحة كي يضع ظله هو أيضًا بين السطور. فكل قارئ قد يرى في إحدى الحكايات شيئًا من تجربته، أو يتذكر وجهًا أو موقفًا أو مكانًا ظن أنه نسيه، ثم يكتشف أن الذاكرة لا تنسى كما نظن، وإنما تنتظر أحيانًا كتابًا أو جملة أو حكاية كي تفتح بابها من جديد.
وما يزيد هذه التجربة خصوصية أن الكتاب يأتي من صاحب مسيرة إعلامية وثقافية طويلة، ترك خلالها سعيد السبكي أثرًا واضحًا في العمل الإعلامي العربي في أوروبا، وظل قريبًا من قضايا العرب في المهجر، ومن العلاقة بين العالم العربي والمجتمعات الأوروبية، ومن قضايا حرية التعبير وحقوق الإنسان والعمل الثقافي. وهي خبرات لا يمكن أن تمر في حياة كاتب من دون أن تترك في رؤيته للعالم شيئًا منها.
وقد جاء صدور «ظلال لاهاي» ليضيف فصلًا جديدًا إلى هذه المسيرة، فصلًا لا يتخلى فيه الكاتب عن عينه الصحفية، لكنه يمنحها هذه المرة حرية أكبر في التجول داخل الخيال والإنسان والذاكرة. وربما لهذا تبدو المجموعة امتدادًا طبيعيًا لتجربة طويلة في مراقبة الحياة، لا خروجًا منها؛ فالأدب في النهاية ليس بعيدًا عن الواقع، وإنما هو إحدى الطرق التي نحاول بها أن نفهمه ونحتفظ بما كاد أن يضيع منه.
وفي هذه المناسبة، لا يسعنا إلا أن نتقدم بخالص التهنئة إلى الكاتب والصحفي الكبير سعيد السبكي، رئيس تحرير «تايم نيوز أوروبا بالعربي»، بمناسبة صدور مجموعته القصصية الجديدة «ظلال لاهاي»، متمنين له مزيدًا من النجاح والإبداع، وأن تكون هذه المجموعة بداية لمساحات أدبية جديدة تضاف إلى رصيده الطويل في الصحافة والإعلام والثقافة.
وتأتي مناسبة إطلاق ومناقشة المجموعة في السابعة من مساء الخميس 10 سبتمبر، بدار المرايا للثقافة والفنون، في 23 شارع عبد الخالق ثروت، الطابق الثاني، بوسط القاهرة، في لقاء يحتفي بالكتاب وصاحبه، ويفتح مساحة للحوار حول تجربة تستحق أن تُقرأ بعيدًا عن ضجيج العناوين السريعة.
فبعض الكتب لا تأتي فقط لتروي حكايات، وإنما لتعيد إلينا شيئًا من الأمكنة التي مررنا بها، والوجوه التي قابلناها، واللحظات التي ظلت معلقة في الذاكرة. وربما تكون «ظلال لاهاي» واحدة من تلك الكتب التي تأخذ القارئ في طريقها، ثم تتركه في النهاية أمام حكايته هو، يتأمل ظله قليلًا قبل أن يعود إلى الطريق.
magy-news@hotmail.com
