كتبت | مارجريت ميخائيل
في السنوات الأخيرة أصبح مصطلح Highly Skilled Migrants (HSM)
أو ما يُعرف بالمهاجرين من ذوي المهارات العالية، جزءًا أساسيًا من أحلام قطاع واسع من المهنيين المصريين الذين حملوا شهاداتهم الجامعية، وخبراتهم العملية، وسنوات اجتهادهم الطويلة، وغادروا مصر وهم يعتقدون أنهم على أعتاب بداية جديدة في مجتمعات أكثر عدلًا وتقديرًا للكفاءة والجهد والعمل الجاد.
فبالنسبة للكثيرين، لم تكن الهجرة مجرد انتقال من دولة إلى أخرى، أو مجرد بحث عن راتب أعلى وعملة أقوى، وإنما كانت في جوهرها محاولة للهروب من شعور متراكم بالإحباط المهني والإنساني، وشعور بأن الإنسان قد يبذل سنوات طويلة من عمره في الدراسة والعمل والتطوير، ثم يكتشف في النهاية أن بعض الفرص والترقيات قد تُمنح على أساس العلاقات الشخصية والقرب من متخذ القرار، وليس على أساس الكفاءة الحقيقية أو الجدارة المهنية.
ومن هنا بدأت تتشكل تلك الصورة الذهنية شبه المثالية عن أوروبا؛ صورة لمجتمعات يُعتقد أنها تُدار بالكامل وفق معايير الكفاءة والاحترافية والشفافية، وأن الإنسان هناك يحصل على حقه كاملًا طالما أنه يعمل بجد ويملك العلم والخبرة، وأن بيئات العمل الأوروبية خالية من المحاباة والتحيز والصراعات الشخصية التي اعتاد البعض رؤيتها أو الشكوى منها في مجتمعاتهم الأصلية. وكان الحلم بالنسبة للكثير من المهاجرين المصريين من ذوي المهارات العالية بسيطًا وواضحًا؛ أن يصل الإنسان إلى مكان يشعر فيه أن مجهوده مرئي، وأن اجتهاده له قيمة حقيقية، وأن سنوات الدراسة والعمل والتطوير يمكن أن تتحول أخيرًا إلى حياة مستقرة وفرصة عادلة ومستقبل أكثر أمانًا وكرامة.
وعند الوصول تبدأ مرحلة الانبهار الأولى، وهي مرحلة يكاد يمر بها أغلب المهاجرين بدرجات متفاوتة. فالإنسان يجد نفسه فجأة أمام شوارع نظيفة، ومواصلات منظمة، وأنظمة رقمية تسهّل تفاصيل الحياة اليومية، واحترام واضح للوقت والقانون والنظام، بالإضافة إلى ثقافة عمل تبدو” على الأقل في البداية ” أكثر هدوء وإنسانية وتوازنًا من الصورة التي كان يحملها عن بيئات العمل في بلده الأم.
وتبدو التفاصيل الصغيرة بالنسبة للمهاجر وكأنها إنجازات حضارية ضخمة؛ فالإجازة المرضية لا تحتاج إلى معركة لإثبات أنك مريض، والموظف لا يُعامل دائمًا باعتباره متهمًا أو مقصرًا، والمدير قد يتحدث بهدوء واحترام حتى أثناء الاختلاف، مما يجعل كثيرين يشعرون في البداية أنهم انتقلوا بالفعل إلى نموذج أكثر تطورًا وإنسانية وعدالة.
وفي تلك المرحلة يبدأ البعض في المقارنة المستمرة بين كل شيء هنا وهناك، فيقول لنفسه:
“لو كنت في مصر كان المدير خصم لي”،
أو “لو كنت هناك ما كنتش أخدت حقي””،
ويبدأ تدريجيًا في بناء صورة مثالية جديدة عن المجتمع الذي وصل إليه، وربما في المقابل يزداد قسوة في حكمه على مجتمعه القديم وعلى كل ما تركه خلفه.
لكن مع مرور الوقت، ومع الاحتكاك الحقيقي بالحياة اليومية، تبدأ تلك الصورة المثالية في فقدان جزء من بريقها، ويبدأ المهاجر في اكتشاف أن الواقع أكثر تعقيدًا بكثير من التصورات المسبقة.
فتأتي أولى الصدمات من تكلفة المعيشة نفسها، حين يكتشف الإنسان أن اليورو الذي كان يراه من بعيد ثروة حقيقية، بالكاد يكفي لتغطية الإيجار والتأمين والفواتير والضرائب وتكاليف الحياة الأساسية، وأن جودة الحياة لا تُقاس فقط بسعر صرف العملة عند تحويلها إلى الجنيه المصري، وإنما تُقاس أيضًا بما يتبقى للإنسان في نهاية الشهر، وبمدى إحساسه بالأمان النفسي والاستقرار الحقيقي. ومع الوقت، لا تبدأ فقط صورة أوروبا المثالية في التراجع، بل تبدأ أيضًا صورة مصر القديمة في التغير داخل ذاكرة المهاجر نفسه. فيكتشف الإنسان أنه رغم كل ما كان يشتكي منه، هناك أشياء صغيرة لم يكن يدرك قيمتها إلا بعدما فقدها.
في لحظات المرض مثلًا، حين يعود من المستشفى إلى بيت صامت، لا يسمع فيه صوت أم تسأله إن كان قد أكل، ولا قريب يطرق الباب للاطمئنان، ولا صديق يدخل دون موعد فقط لأنه “حس إنك تعبان. وفي الأعياد والمناسبات، حين تتحول الأيام التي كانت مزدحمة بالعائلة والضحك والزيارات إلى يوم عادي جدًا، يذهب فيه الجميع إلى أعمالهم، بينما يجلس المهاجر أمام هاتفه يتابع صور العائلة من بعيد، محاولًا إقناع نفسه أن الغربة كانت تستحق.
وفي الأزمات تحديدًا، يكتشف الإنسان أن الشعور بالأمان لا تصنعه الأنظمة وحدها، وإنما يصنعه أيضًا وجود أشخاص يشعر معهم الإنسان أنه ليس وحده في مواجهة الحياة.
وهنا تبدأ الأسئلة الصعبة في الظهور:
هل كنت أهرب فعلًا من المكان؟
أم كنت أهرب من مرحلة معينة في حياتي؟
هل المشكلة كانت في المجتمع بالكامل؟
أم أنني كنت أبحث عن مدينة فاضلة لا وجود لها أصلًا؟
ثم تأتي الصدمة الأعمق والأكثر حساسية، وهي صدمة بيئة العمل والعلاقات الإنسانية فيكتشف البعض أن المدير الأوروبي ليس دائمًا ذلك النموذج المثالي الذي رسموه في خيالهم، وأن ضغوط العمل، والصراعات المهنية، والغيرة، والتنافس، والسياسات الداخلية، كلها أمور موجودة في كل مكان في العالم، وإن اختلفت طريقة التعبير عنها أو إدارتها.
فقد تكون تلك الصراعات أكثر هدوءً وأكثر تنظيمًا وأكثر احترافية، لكنها لا تختفي تمامًا، لأن البشر في النهاية يظلون بشرًا مهما اختلفت جنسياتهم أو لغاتهم أو درجة تطور مجتمعاتهم. وهنا تبدأ المرحلة الأصعب نفسيًا عند كثير من المهاجرين المصريين، وهي مرحلة إعادة تقييم الصورة التي رسموها مسبقًا عن أنفسهم وعن الآخرين. فالكثيرون يصلون إلى أوروبا وهم يحملون بداخلهم — دون وعي كامل — شعورًا بأن “الآخر” دائمًا أفضل؛ أفضل في الإدارة، وأفضل في الالتزام، وأفضل في التفكير والتنظيم، بينما ينظر الإنسان أحيانًا إلى نفسه وإلى مجتمعه القديم باعتبارهما أقل تطورًا أو أقل تحضرًا أو أقل كفاءة. لكن مع الوقت، وبعد الاحتكاك الحقيقي بالحياة والعمل والبشر، يبدأ الإنسان في رؤية الصورة بشكل أكثر اتزانًا ونضجًا، فيفهم أن وجود أنظمة قوية واحترام أكبر للقانون لا يعني اختفاء العيوب الإنسانية، ولا يعني أن كل ما تركه خلفه كان سيئًا بالكامل، كما لا يعني أن كل ما وجده في الغرب مثالي وخالٍ من التناقضات. فالحقيقة التي يصل إليها كثير من المهاجرين بعد سنوات ليست أن أوروبا سيئة، ولا أن مصر كانت سيئة بالكامل، وإنما أن الحياة أكثر تعقيدًا من تلك الصور الثنائية الحادة التي كنا نرسمها لأنفسنا ونحن بعيدون عن التجربة الحقيقية.
فلا الشرق كتلة كاملة من الفساد، ولا الغرب مدينة فاضلة خالية من العيوب. وإنما هي مجتمعات يصنعها البشر، والبشر في كل مكان يحملون بداخلهم الخير والشر، والعدل والتحيز، والرحمة والمصلحة، والتعاون والتنافس في الوقت نفسه. وربما هنا يبدأ النضج الحقيقي للمهاجر؛ حين يسقط وهم المثالية المطلقة، وحين يفهم الإنسان أن النجاح في الغربة لا يحتاج فقط إلى شهادة وخبرة ومهارات مهنية، وإنما يحتاج أيضًا إلى قدرة نفسية عميقة على إعادة تعريف التوقعات، والتصالح مع الحقيقة الرمادية للحياة، واليقين بأن الإنسان هو الإنسان في كل مكان، له ما له وعليه ما عليه. في النهاية، ربما تكون أكبر رحلة يخوضها المهاجر ليست رحلة السفر نفسها، وإنما رحلة إعادة اكتشاف الواقع بعيدًا عن أوهام الشرق وأوهام الغرب معًا، ورحلة اكتشاف ذاته من جديد كما لو لم يعرفها من قبل وفي رحلة اكتشاف الذات، أو بالمعنى الأدق “الانكشاف”، لنا حديث آخر.
