د.أسامة أحمد زارع يكتب|
“أصبحت معارك العصر لا تُخاض بالأسلحة فقط، ولا تُحسم بالأرقام فقط، بل تُحسم أحيانًا بصورة، أو فكرة، أو رسالة عابرة تمر أمام أعيننا في ثوانٍ قليلة.”
لم تعد العلاقات العامة كما عرفناها يومًا مجرد علم يرتبط بإدارة المؤتمرات والندوات واللقاءات والاجتماعات أو تنظيم الفعاليات وصناعة الصورة الذهنية للمؤسسات؛ لأن اختزالها في هذا الإطار الضيق يُفقدها أحد أهم أدوارها: دورها في صناعة الإنسان نفسه.
فالعلاقات العامة في جوهرها ليست فن إدارة المؤسسات فقط، بل فن إدارة القلوب والعقول والاتصال الإنساني الراقي. هي ذلك العلم الذي يعلم الإنسان كيف يُحسن الاستماع قبل الحديث، وكيف يربح البشر بالأخلاق قبل الكلمات، وكيف يصنع حضورًا مؤثرًا دون ضجيج، وكيف يحول التعاملات اليومية العادية إلى جسور من الاحترام والمودة والتقدير.
فالحقيقة التي قد لا ينتبه إليها كثيرون أن العلاقات العامة لا تُمارس داخل قاعات المؤتمرات فقط، بل نمارسها كل يوم في حياتنا؛ في طريقة حديثنا مع الآخرين، وفي احترام الاختلاف، وفي فن الإنصات، وفي اختيار الكلمات التي تترك أثرًا طيبًا في النفوس. فربما أصبحنا اليوم في حاجة إلى أن تتحول العلاقات العامة من تخصص أكاديمي إلى ثقافة مجتمعية تُسهم في بناء إنسان أكثر رقيًا، وذوقًا، وإنسانية.
وفي عصر الإعلام الرقمي، لم تعد الرسائل الإعلامية تصل إلى الناس كما كانت تصل من قبل. فقد أصبح الإنسان يعيش وسط تدفق هائل من الصور والإعلانات والمقاطع القصيرة والمحتويات المتلاحقة التي لا تتنافس على جذب انتباهه فقط، بل تتنافس على تشكيل وعيه وتحديد أولوياته وإعادة صياغة نظرته للحياة.
وهنا تبرز القوة الحقيقية للإعلان.
فالإعلان لم يعد مجرد مساحة لعرض منتج أو تقديم خدمة، بل أصبح قوة ناعمة تمتلك قدرة هائلة على التأثير الاجتماعي والثقافي والوجداني. فقد تستطيع صورة واحدة أن تغيّر فكرة، وقد ينجح إعلان قصير في ترسيخ قيمة أو إحياء مشاعر أو إعادة تقديم معنى كاد أن يختفي.
ولعلنا لمسنا ذلك بوضوح في بعض إعلانات رمضان التي تجاوزت حدود التسويق التقليدي، لتصبح رسائل اجتماعية تعيد التذكير بقيم اللمة، وصلة الرحم، والوفاء، والدفء الإنساني. وهنا لا تكون قوة الإعلان فيما يبيع، بل فيما يزرع داخل الوجدان، وما يتركه من أثر قد يبقى طويلًا داخل ذاكرة المجتمع.
كما أن ظهور صحافة الموبايل نقل المشهد الإعلامي إلى مرحلة مختلفة تمامًا؛ فلم يعد التأثير حكرًا على المؤسسات الكبرى أو الشاشات التقليدية، بل أصبح الشباب أنفسهم جزءًا من صناعة المشهد العام، قادرين على صناعة رسالة، أو نقل قضية، أو تقديم محتوى يصنع أثرًا واسعًا. وأصبح الهاتف في يد الشباب اليوم ليس مجرد جهاز، بل مسؤولية، ومنصة، وأداة يمكن أن تبني وعيًا أو تصنع فوضى.
لكن يبقى السؤال الأهم: ماذا نريد أن نصنع من كل هذه الأدوات؟
هل نريد جيلًا سريع النشر؟ أم جيلًا عميق الفهم؟ هل نريد مستخدمين للتكنولوجيا؟ أم قادة للفكرة وصُنّاعًا للأثر؟
ولعل ما يلفت الانتباه خلال السنوات الأخيرة أن قضية بناء الإنسان لم تعد مجرد عنوان يُتداول في المؤتمرات أو الندوات، بل أصبحت جزءًا أصيلًا من رؤية الدولة المصرية. وقد أكد عبد الفتاح السيسي في أكثر من مناسبة أن بناء الأوطان لا يرتبط فقط بالمشروعات والبنية التحتية، بل يبدأ ببناء الإنسان الواعي القادر على الفهم والمشاركة وصناعة المستقبل.
ومن هنا تأتي رؤية فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي التي تعكس إيمانًا بأن بناء الجمهورية الجديدة لا يتحقق فقط بتشييد المدن والطرق، بل ببناء الشخصية المصرية الواعية، والاستثمار الحقيقي في الشباب، وإعداد أجيال تمتلك العلم والفكر والقدرة على مواجهة تحديات العصر.
فالمستقبل لن يكون للأكثر ضجيجًا… بل للأكثر وعيًا.
ومن هنا لم تعد العلاقات العامة مجرد تخصص يُدرَّس داخل القاعات، بل أصبحت مدخلًا لصناعة إنسان جديد… إنسان يمتلك فكرًا راقيًا، وذوقًا رفيعًا، وقدرة على بناء علاقات جميلة، ومجتمع أكثر وعيًا وإنسانية.
