القائمة

مغربي يهودي كشف النووي الإسرائيلي للعالم

غرفة الأخبار 3 أشهر مضت 0 2.2 ألف

يُعتبر ملف مردخاي فعنونو واحد من أبرز القضايا العالمية في مجال التسريبات النووية، فهو يجمع بين السياسة والاستخبارات، والخيانة من وجهة نظر إسرائيل، والشجاعة من وجهة نظر مؤيديه. والقصة لا ترتبط فقط بخيانة الدولة أو تسريب أسرار، بل هي انعكاس لصراع الفرد مع الضمير والمُجتمع، ولمسألة أخلاقية مُعقدة في عالم يسوده الغموض النووي.

وُلد مردخاي فعنونو عام 1954 في المغرب ضمن عائلة يهودية. بعد قيام دولة الكيان الإسرائيلية، هاجرت عائلته إلى الأرض المُحتله، لتبدأ رحلة الاندماج في مُجتمع متعدد الخلفيات، حيث واجه اليهود الشرقيون (السفارديم) تحديات اجتماعية واقتصادية.

في سنوات شبابه، أظهر فعنونو ذكاءً فنيًا وقدرة على التركيز، مما أهله للعمل لاحقًا في أحد أكثر المواقع النووية سرية في العالم: مفاعل ديمونة النووي بصحراء النقب.

خلال عمله كفني، تمكن فعنونو من الاطلاع على تفاصيل البرنامج النووي الإسرائيلي، الذي كانت الدولة تنفي امتلاكه رسميًا. ومن خلال وصوله إلى مناطق حساسة في المفاعل، شاهد مراحل إنتاج البلوتونيوم وتجهيز الرؤوس النووية.

كان بمقدوره جمع معلومات دقيقة عن حجم الترسانة النووية وآليات تطويرها، وهو ما لم يكن مُتاحًا لأي مواطن عادي أو صحفي. هذه المعرفة شكلت الأساس الذي سيؤدي لاحقًا إلى فضح البرنامج النووي الإسرائيلي للعالم.

في خطوة جرئية وخطيرة، بدأ فعنونو بتوثيق كل ما يمكن أن يشكّل دليلاً على وجود البرنامج النووي:

صور سرية داخل المفاعل باستخدام كاميرا صغيرة *

جمع وثائق ومخططات تقنية توضح مراحل الإنتاج *

تدوين ملاحظات دقيقة عن عدد الرؤوس النووية وأساليب اختبارها *

كل هذه الأدلة كانت حساسة جدًا، وكفيلة بإثبات ما لم تستطع إسرائيل الاعتراف به: أن الدولة تمتلك ترسانة نووية متطورة.

في عام 1986، سافر فعنونو إلى بريطانيا حيث تواصل مع صحيفة صنداي تايمز. عرض عليهم الصور والوثائق، وأكد أن إسرائيل تمتلك ما يقدر بعشرات القنابل النووية، وهو ما كان يُشاع منذ سنوات لكنه لم يكن مؤكدًا.

نشر الصحفيون التحقيق بعد مراجعة دقيقة من خبراء نوويين، لتكون النتيجة صدمة عالمية: قوة نووية غير معلنة في منطقة الشرق الأوسط، تكسر سياسة الغموض النووي الإسرائيلية التي استمرت عقودًا.

لم تتأخر أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد) في الرد. حيث تم إعداد عملية محكمة لاستدراجه حيث قامت عميلة تُعرف باسم “سيندي” بتكوين علاقة معه لكسب ثقته وتم إقناعه بالسفر إلى إيطاليا وهناك، تم تخديره ونقله سرًا إلى إسرائيل

كانت العملية غير قانونية دوليًا، لكنها أعادت فعنونو إلى إسرائيل في مواجهة مباشرة مع القضاء والسلطات الأمنية، لتبدأ رحلة طويلة من المُحاكمة والسجن.

حُوكم فعنونو بتهمة الخيانة والتجسس، وأصدرت المحكمة حكمًا بالسجن 18 عامًا، قضى أكثر من 11 عامًا منها في حبس انفرادي شديد القسوة.

خلال فترة السجن حُرم من أي اتصال خارجي ومنع من التحدث مع سجناء آخرين وكانت المراقبة الأمنية مُشددة، مع رقابة دائمة على كل تحركاته

هذه السنوات الطويلة عكست الصراع الداخلي بين الفرد والدولة، ووضعت فعنونو في اختبار لمقدار الصمود أمام ضغط السلطات.

أُفرج عن فعنونو عام 2004، لكن القيود لم تُرفع بالكامل فقد منع من السفر خارج إسرائيل وفرضت عليه مراقبة مستمرة والتواصل مع الأجانب محدود بشدة كما تحكم الدولة في أي ظهور إعلامي أو حديث للصحافة ،ورغم الإفراج بقي فعنونو تحت إشراف أمني دائم، في مؤشر على مدى خطورة المعلومات التي كشفها.

قضية فعنونو ليست مجرد حادثة تسريب، بل تفتح نقاشًا عالميًا حول سياسة الغموض النووي . إسرائيل تعتمد سياسة عدم التأكيد وعدم النفي عن ترسانتها النووية.

الخيانة أم كشف الحقيقة: في إسرائيل يُنظر إليه كخائن وخطر أمني، بينما يرى البعض في الغرب ومنظمات السلام أنه بطل كشف الحقيقة.

صراع الضمير الفردي: القصة تمثل نموذجًا عالميًا لصراع المواطن مع أسرار الدولة، وحق الجمهور في المعرفة مقابل الأمن القومي.

يبقى مردخاي فعنونو رمزًا عالميًا للجرأة والتضحية من أجل كشف الحقيقة، وللجدل الأخلاقي الذي يثيره المبلغون عن الأسرار الحساسة.

قصته تطرح أسئلة بلا إجابات سهلة، عن مسؤولية الفرد في مواجهة الدولة، وعن الثمن الذي يدفعه من يكشف أسرارًا تؤثر في الأمن الدولي.

كاتب

  • تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

كتب بواسطة

تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *