القائمة

معكم ولست عليكم.. نحو تأهيل الكادر الأكاديمي للتعامل مع طلاب الجامعة

ليندا سليم 3 أسابيع مضت 0 9.6 ألف

بقلم .د.اسامة احمد زارع

ليس كافيًا أن يمتلك عضو هيئة التدريس علمًا واسعًا في تخصصه حتى يكون أستاذًا جامعيًا ناجحًا؛ فالعلم يصنع عالمًا، لكنه لا يصنع بالضرورة مُعلِّمًا قادرًا على بناء الإنسان.

فالجامعة ليست قاعة للمحاضرات فقط، وليست مكانًا يلقي فيه الأستاذ معلوماته ثم ينصرف، وإنما هي بيئة متكاملة لصناعة الشخصية، وبناء الوعي، واكتشاف المواهب، وتأهيل الأجيال للمستقبل.

ومن هنا تأتي الحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم إعداد وتأهيل الكادر الأكاديمي؛ بحيث لا يتوقف عند الحصول على الدرجة العلمية وإتقان البحث العلمي، وإنما يمتد إلى امتلاك مهارات التدريس والتواصل وفهم طبيعة الطلاب وإدارة الحوار والمواقف المختلفة داخل البيئة الجامعية.

«معكم ولست عليكم»

هذه العبارة يمكن أن تكون فلسفة حقيقية في العلاقة بين عضو هيئة التدريس وطلابه.

أن يشعر الطالب أن الدكتور أمامه ليس خصمًا ينتظر خطأه، ولا سلطة تبحث عن إخضاعه، وإنما أستاذ يقوده ويصحح له ويوجهه، لكنه في النهاية يعمل من أجله.

«معكم ولست عليكم» لا تعني إلغاء هيبة الأستاذ أو تحويل العلاقة الأكاديمية إلى علاقة بلا ضوابط، وإنما تعني أن تكون الهيبة نابعة من العلم والأخلاق والقدوة، لا من التخويف أو التعالي.

يمكن للدكتور أن يكون حازمًا دون أن يكون قاسيًا، وقريبًا من طلابه دون أن يفقد مكانته، ومتفاهمًا معهم دون أن يتنازل عن القواعد الأكاديمية.

فالطالب قد يحتاج في بعض المواقف إلى أستاذ يوجهه، وفي مواقف أخرى إلى من يسمعه ويمنحه الثقة، وربما إلى كلمة تشبه كلمة الأب أو حوار قريب من حوار الصديق، مع بقاء الحدود المهنية واضحة.

وهنا تكمن مهارة عضو هيئة التدريس: أن يعرف متى يكون أستاذًا، ومتى يكون موجهًا، ومتى يكون مستمعًا، ومتى يكون داعمًا، ومتى يكون حازمًا.

هل نؤهل الباحث ولا نؤهل الأستاذ؟

من الملاحظ أن منظومة الدراسات العليا تهتم بصورة واضحة بتأهيل الباحث؛ فيتعلم الطالب مناهج البحث العلمي، وأدواته، وكيفية بناء مشكلة البحث، واختيار المنهج، وتحليل البيانات، وكتابة الرسائل العلمية.

وهذا أمر ضروري بلا شك.

لكن السؤال الذي يستحق التوقف أمامه:

أين التأهيل المنهجي لمن سيقف غدًا أمام مئات الطلاب داخل قاعة المحاضرات؟

أين يتعلم الباحث الذي سيصبح عضو هيئة تدريس كيف يشرح المعلومة؟ وكيف يدير قاعة دراسية؟ وكيف يتعامل مع الطالب الضعيف والمتفوق؟ وكيف يقدم النقد والتوجيه دون أن يحطم ثقة الطالب؟ وكيف يحول المقرر الجامعي من مجموعة معلومات إلى تجربة تعليمية حقيقية؟

هذه المهارات لا تقل أهمية عن مهارات البحث العلمي، لأنها ترتبط مباشرة بالوظيفة التي سيؤديها عضو هيئة التدريس بعد حصوله على الدرجة العلمية.

مرحلة التمهيدي.. فرصة لبناء عضو هيئة التدريس

أتصور أن مرحلة الدراسات العليا، وبخاصة مرحلة التمهيدي، يمكن أن تكون فرصة حقيقية لإعداد الكادر الأكاديمي قبل انتقاله إلى ممارسة دوره داخل الجامعة.

فكما يتعلم الباحث «كيف يكتب بحثًا»، ينبغي أن يتعلم أيضًا «كيف يعلّم».

وكما يتعلم «مناهج البحث العلمي»، يمكن أن يتعلم أساسيات «مناهج وأساليب التدريس الجامعي».

ومن الممكن أن يتضمن ذلك تأهيلًا مختصرًا ومركزًا في مهارات التدريس، والتواصل مع الطلاب، وإدارة قاعة الدراسة، والتقييم والتغذية الراجعة، والإرشاد الأكاديمي، وأخلاقيات العلاقة بين الأستاذ والطالب، إلى جانب تدريب عملي يحاكي المواقف التي قد يواجهها عضو هيئة التدريس.

وبذلك لا يخرج طالب الدراسات العليا من مرحلة التمهيدي وهو باحث فقط، وإنما يكون قد بدأ في بناء شخصيته بوصفه كادرًا أكاديميًا مؤهلًا.

الهيبة لا تعني المسافة

لقد تغيرت طبيعة الطالب الجامعي.

فالطالب اليوم يعيش في عالم مفتوح، يمتلك هاتفًا يصل به إلى آلاف المصادر، ويستطيع خلال دقائق أن يبحث عن المعلومة أو يشاهد محاضرة من جامعة أخرى أو يتواصل مع متخصصين من مختلف دول العالم.

ولذلك لم تعد سلطة الأستاذ قائمة على امتلاكه المعلومة وحدها.

أصبح الأستاذ مطالبًا بأن يكون مرشدًا ومحللًا ومناقشًا وصانعًا للمعنى، وأن يقول للطالب: ابحث، ناقش، اسأل، اختلف، ولكن تعلم كيف تفعل ذلك علميًا وأخلاقيًا.

وهنا تصبح هيبة الأستاذ أكثر رسوخًا؛ لأنها تقوم على الكفاءة والقدوة والاحترام، لا على الخوف.

«منكم» لا تعني فقدان الأستاذ لدوره

حين يقول الأستاذ لطلابه: «أنا منكم ولست عليكم»، فهو لا يلغي النظام الأكاديمي ولا يضع نفسه في مواجهة القواعد، وإنما يعلن فلسفة مختلفة في التعامل:

أنا هنا لأساعدكم على الوصول، لا لأقف في طريقكم.

أنا هنا لأصحح الخطأ، لا لأعاقب صاحبه.

أنا هنا لأفتح أمامكم أبواب المعرفة، لا لأغلقها.

أنا هنا لأرى فيكم مشروعًا لمستقبل أفضل، وليس مجرد أسماء في كشف الحضور.

وهذه الروح هي التي نحتاج إلى غرسها في الكادر الأكاديمي منذ مرحلة الإعداد.

من عضو هيئة تدريس إلى صانع أجيال

ربما آن الأوان أن نعيد تعريف وظيفة عضو هيئة التدريس.

فهو ليس ناقلًا للمعلومات، ولا مراقبًا للامتحانات، ولا باحثًا ينشر الأوراق العلمية فقط.

إنه صانع أجيال.

والذي يصنع الأجيال يحتاج إلى علم، لكنه يحتاج كذلك إلى وعي وحكمة ومهارة في التواصل وقدرة على فهم الإنسان الذي يقف أمامه.

ولهذا فإن تأهيل الكادر الأكاديمي يجب أن يصبح جزءًا أصيلًا من منظومة إعداد عضو هيئة التدريس، لا مهارة يكتسبها بالمصادفة بعد سنوات من العمل.

فكما نطالب الطالب بأن يتعلم كيف يفكر، يجب أن نؤهل الأستاذ أولًا ليعرف كيف يعلّم الطالب أن يفكر.

وفي النهاية، قد ينسى الطالب كثيرًا من تفاصيل المحاضرات التي تلقاها، لكنه غالبًا لن ينسى أستاذًا جعله يؤمن بقدرته، أو كلمة أعادت إليه ثقته، أو موقفًا شعر فيه أن أستاذه كان إلى جواره لا عليه.

وهنا تحديدًا تبدأ رسالة الأستاذ الحقيقية.

كتب بواسطة

الدكتورة ليندا سليم هي كاتبة صحفية وباحثة حاصلة على درجة الدكتوراه، وتُعرف بمقالاتها وآرائها الإعلامية المنشورة في منصات مثل تايم نيوز أوروبا بالعربي وموقع التعليم اليوم, حيث تناقش قضايا التعليم، وأبناء المصريين في الخارج، والشؤون الاجتماعية والثقافية.

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *