القائمة

مطاعم المصريين في هولندا تحت ضغط التكاليف.. بين الإغلاق وشبح الإفلاس

سعيد السبكي شهر واحد مضت 0 9 ألف

ارتفاع الأسعار والعمالة والإيجارات يضغط على هامش الربح.. وإغلاقات تفتح باب الأسئلة عن مستقبل المشروعات الصغيرة

لم يعد افتتاح مطعم في هولندا بالنسبة إلى كثير من المصريين مُجرد مشروع تجاري، بل أصبح وسيلة للعمل الحر وبناء مستقبل الأسرة.

لكن هذا الحلم يواجه اختبارًا صعبًا، مع ارتفاع تكاليف العمالة والمواد الغذائية والطاقة والإيجارات والتأمين والضرائب، إضافة إلى تكاليف توصيل الطلبات ورسوم منصات الطلبات الإلكترونية.

وفي مدن هولندية مُختلفة، ظهرت بالفعل حالات إغلاق لمطاعم مصرية، لكن ذلك لا يعني وجود موجة إفلاس مصرية شاملة.

لا تفصل بيانات المكتب المركزي للإحصاء الهولندي CBS حالات الإفلاس حسب جنسية مالك المطعم، ولذلك لا يمكن القول، استنادًا إلى الإحصاءات الرسمية، إن المطاعم المصرية هي الأكثر تعرضًا للإفلاس.

لكن البيانات تكشف أن قطاع المطاعم والضيافة Horeca يواجه ضغوطًا حقيقية.

ففي يوليو 2026، سجل القطاع 17.9 حالة إفلاس لكل 100 ألف شركة، مقابل 35.1 حالة في يوليو 2025.

وفي المقابل، ارتفع المعدل في يونيو 2026 إلى 26.4 حالة لكل 100 ألف شركة، مقابل 23.5 في الشهر نفسه من العام السابق.

وهذا يعني أن القطاع لا يسير في اتجاه واحد، وإنما يمر بسوق متقلبة تتغير فيها معدلات الإفلاس من شهر إلى آخر.

المفارقة أن ارتفاع المبيعات لا يعني بالضرورة ارتفاع الأرباح.

فوفق بيانات CBS المنشورة في سبتمبر 2026، ارتفعت إيرادات قطاع المطاعم والضيافة في الربع الثاني من 2026 بنسبة 2.2% مقارنة بالربع الثاني من 2025.

وارتفعت إيرادات المطاعم تحديدًا بنسبة 3.2%، بينما زادت إيرادات مطاعم الوجبات السريعة بنسبة 3.9%.

لكن هذه الزيادة قد تذهب إلى تغطية ارتفاع التكاليف. فإذا ارتفع سعر الوجبة بسبب زيادة أسعار اللحوم والخضروات والطاقة والعمالة، فإن ارتفاع قيمة المبيعات لا يعني بالضرورة زيادة الأرباح.

فقد هبطت ثقة أصحاب الأعمال في قطاع الـHoreca خلال الربع الثاني من 2026 إلى -30.1، قبل أن تتحسن في الربع الثالث إلى -19.5.

ورغم التحسن، ظل المؤشر سلبيًا، بما يعكس استمرار حالة التشاؤم بين أصحاب المطاعم.

كثير من المطاعم المصرية في هولندا بدأت كمشروعات عائلية صغيرة، يعتمد صاحبها على نفسه وأفراد أسرته لتقليل النفقات.

لكن مع توسع النشاط والحاجة إلى موظفين، ترتفع تكلفة التشغيل، إذ تشمل الأجور والإجازات والتأمين والالتزامات القانونية.

وفي المقابل، لا يستطيع صاحب المطعم دائمًا رفع الأسعار لتعويض هذه الزيادة.

فالزبون لديه عشرات البدائل، ويمكنه الانتقال بسهولة إلى مطعم تركي أو سوري أو مغربي أو لبناني أو عراقي أو يمني، أو حتى إلى مطعم للوجبات السريعة.

المنافسة لم تعد مصرية فقط، وإنما أصبحت عربية وشرق أوسطية وعالمية.

في مدينة Schijndel، أغلق مطعم Amon أبوابه في نهاية عام 2025 بعد نحو 23 عامًا من العمل.

وكان المطعم يقدم أطعمة مصرية إلى جانب البيتزا والكباب.

ونشرت صحيفة Mooi Schijndel خبر الإغلاق في ديسمبر 2025، فيما تشير بيانات متخصصة في قطاع المطاعم إلى أن النشاط بدأ في عام 2002.

لكن الإغلاق لا يعني بالضرورة الإفلاس؛ فقد يكون سببه التقاعد أو انتهاء عقد الإيجار أو بيع النشاط أو أسبابًا شخصية.

وهذه نقطة مهمة عند الحديث عن أوضاع المطاعم المصرية، لأن إغلاق المطعم لا يساوي تلقائيًا إفلاسه.

خمسة ضغوط تهدد هامش الربح

يمكن تلخيص الأزمة التي تواجه المطاعم الصغيرة في خمسة عوامل رئيسية:

1 ـ العمالة: ارتفاع تكلفة تشغيل الموظفين والالتزامات المرتبطة بهم.

2 ـ المواد الغذائية: ارتفاع تكلفة اللحوم والدجاج والزيوت والخضروات وغيرها.

3 ـ الإيجارات: صعوبة الانتقال إلى مكان أرخص دون خسارة الزبائن.

4 ـ الطاقة: ارتفاع تكلفة تشغيل المطابخ التجارية لساعات طويلة.

5 ـ منصات التوصيل: الرسوم والتكاليف المرتبطة بالحصول على زبائن عبر التطبيقات.

هل المطعم المصري مهدد بالاختفاء؟

بل: أي نموذج من المطاعم المصرية يستطيع البقاء؟

الاعتماد على الجالية المصرية وحدها يضع سقفًا محدودًا للنمو، بينما يمكن للمطعم الذي يقدم المطبخ المصري باعتباره جزءًا من المطبخ العالمي أن يصل إلى شريحة أكبر من المجتمع الهولندي.

الكشري والطاجن والملوخية والفول والطعمية والمشويات يمكن أن تتحول من أطباق يعرفها المصريون إلى منتجات يعرفها الهولنديون أيضًا.

وقد يكون مستقبل المطعم المصري في هولندا للمشروع الذي لا يقول فقط: «نحن مطعم للمصريين»، وإنما يقول: «نحن مطعم مصري في هولندا للجميع».

الإفلاس ليس الخطر الوحيد.

هناك خطر أكثر هدوءًا، وهو أن يقرر صاحب المطعم، بعد سنوات من العمل، أن يغلق مشروعه طواعية بعدما يجد أن الأرباح لم تعد تتناسب مع حجم الجهد والمخاطر والتكاليف.

وهنا قد تختفي بعض المطاعم من الشوارع الهولندية دون أن تظهر في أرقام الإفلاس الرسمية.

المشهد ليس انهيارًا شاملًا للمطاعم المصرية في هولندا، ولا توجد إحصاءات رسمية تثبت أن أصحاب المطاعم المصريين هم الأكثر تعرضًا للإفلاس.

لكن المؤكد أن المطاعم الصغيرة تعمل تحت ضغط متزايد.

فبينما ارتفعت إيرادات المطاعم الهولندية في الربع الثاني من 2026، ظلت ثقة أصحاب القطاع سلبية، وظهرت حالات إغلاق موثقة لمطاعم مصرية.

المشكلة إذن ليست في الطعام المصري نفسه، وإنما في نموذج التشغيل وتآكل هامش الربح واشتداد المنافسة.

كتب بواسطة

سعيد السبكي هو كاتب وصحفي وإعلامي مصري مقيم في هولندا، يشغل منصب رئيس تحرير شبكة "تايم نيوز بالعربي".

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *