د. ماجدة محمود … تكتب
في كرة القدم، لا تروي لوحة النتائج الحكاية كاملة. فهناك مباريات يعلن فيها الحكم النهاية، بينما يظل التاريخ يكتب فصولها لسنوات طويلة. وهناك منتخبات تغادر البطولة، لكنها تترك خلفها صورة لا تغادر ذاكرة الجماهير. وهذا تمامًا ما فعله منتخب مصر أمام الأرجنتين في دور الـ16 من كأس العالم.
دخل المنتخب المصري المباراة وهو يعلم أنه يواجه أحد أكبر منتخبات العالم، لكن اللاعبين لم يدخلوا بعقدة الأسماء، ولم ينظروا إلى التاريخ، بل صنعوا تاريخهم داخل المستطيل الأخضر. لعبوا بثقة، وضغطوا بشجاعة، وقدموا واحدة من أجمل مبارياتهم في البطولة، حتى بدا أن الحلم المصري يقترب من التحقق.
لم يكن التقدم المصري مجرد لحظة عابرة، بل كان انعكاسًا لعمل كبير، وانضباط تكتيكي، وإيمان بأن المستحيل يمكن أن يصبح حقيقة. ولأكثر من مرة بدا المنتخب الأرجنتيني عاجزًا عن فرض شخصيته أمام الروح المصرية التي قاتلت على كل كرة وكأنها المباراة الأخيرة في العمر.
لكن كرة القدم لعبة التفاصيل. تفاصيل صغيرة قد تمنح فريقًا بطاقة العبور، وتحرم فريقًا آخر من مكافأة استحقها بأدائه. وبين لحظات الإثارة، والقرارات التي أثارت كثيرًا من الجدل بين الجماهير والمحللين، تغير مسار المباراة، لتنجح الأرجنتين في العودة وخطف التأهل في لقاء سيبقى واحدًا من أكثر مباريات البطولة إثارة.
وليس من الإنصاف اختزال ما حدث في النتيجة النهائية فقط، أو في أي قرار تحكيمي محل نقاش. فالواقع أن المنتخب المصري قدّم مباراة تليق باسم مصر، وفرض احترامه على الجميع، وأثبت أن الفارق بينه وبين كبار العالم لم يعد كما كان في الماضي.
لقد خرج الفراعنة من البطولة، لكنهم خرجوا وهم أكثر قوة وثقة. وكسبوا ما هو أثمن من مجرد مباراة؛ كسبوا احترام المنافس، وإعجاب الجماهير، وإيمان المصريين بأن هذا المنتخب قادر على صناعة مستقبل مختلف إذا استمر بنفس الروح والطموح.
إن الأمم لا تُقاس فقط بعدد انتصاراتها، بل بقدرتها على الوقوف بشموخ في أصعب اللحظات. ومصر، التي علمت العالم معنى الحضارة، أثبت أبناؤها مرة أخرى أن الكبرياء لا يرتبط بنتيجة مباراة، بل بطريقة القتال حتى آخر ثانية.
تحية لرجال منتخب مصر… لقد كتبتم مباراة ستبقى في ذاكرة الجماهير طويلًا، وأكدتم أن اسم مصر سيظل حاضرًا بين الكبار. فالتاريخ لا يتذكر دائمًا من تأهل، لكنه لا ينسى أبدًا من قدّم أداءً استثنائيًا حق الاحترام.
magy-news@hotmail.com
