بقلم : عاطف حمدي
مرت عقود توقّفت فيها مصر.
توقفها لم يكن بإرادتها، بل لأنها كانت مُقيَّدة — بالديكتاتورية، وبالإسلام السياسي الرجعي، وبحالة الفوضى والتخبط واللايقين وخاصة في أعقاب ما يُسمي بالربيع العربي.
من كان يسير في شوارع القاهرة آنذاك، كان يسمع همس شعبٍ مُحاصرٍ بتاريخٍ وإرث ثقافي ومُصطلحات غريبة وبعيدة كل البُعد عن جذوره الأصلية الأصيلة.
البلد الذي غذّى العالم يومًا بالتجارة والثقافة والمعرفة، وقف فجأة كقاطرةٍ معطلة منسية تعاني من الصدأ الذي دفع بها إلى هامش السكة.
لكن التوقف لم يكن قدرًا.
ففي أكثر اللحظات سوادا، تبقى هناك دول تحافظ على الحلم.
ومصر وشعبها فعلوا ذلك — بهدوء، وبصبر.
وخلال السنوات الأخيرة، حدث شيء ما.
لم يكن بانتصارات كبيرة، ولا بخطاباتٍ رنانة، بل بحركات صغيرة… صامتة.
ففي المدن الصناعية التي نامت طويلًا، عادت الأنوار لتشتعل.
في محافظة بني سويف، تخرج أجهزة التليفزيون من خطوط الإنتاج: فمصنع واحد لشركة سامسونغ يُنتج أكثر من نصف أجهزة التلفاز المُخصصة للشرق الأوسط وأفريقيا. وفي مدينة العاشر من رمضان ومدينة السادات تزدهر صناعات النسيج و الملابس والإلكترونيات والمُعدات والآلات. والإسكندرية وبرج العرب تكتشفان نفسيهما من جديد كموانئ تصدير نحو أوروبا وأفريقيا والعالم.
مصر لم تعد تنظر وتترقب فقط… بل أصبحت تشارك أيضا.
وأوروبا، الباحثة عن الأمان وسلاسل توريد أقصر، تعود بنظرها إلى القاهرة، إلى السويس، وإلى البحر الأحمر.
مصر لا تستفيد من السلام، لأن المنطقة لا تعرفه.
لكنها تستفيد من دبلوماسيتها المُحايدة الرصينة ،ومن موقعها، ومن استراتيجية بدأت — أخيرًا — تملك اتجاهًا واضحًا.
نحن لا نتحدث هنا عن قصة إعجازية.
هي مجرد تحوّل هادئ، مدفوع باستثمارات واتفاقيات وبُنى تحتية تتشكل شيئًا فشيئًا والأهم من ذلك قيادة قوية محبوبة عملت على إستتاب الأمن والأمان.
نعم، الأرقام تشير إلى نمو.
ونعم، الشركات الأوروبية تعود.
ونعم، عبارة “صُنع في مصر” تظهر من جديد على الصناديق وأوراق الشحن والأسواق الأوروبية.
ما كان معطلا ومهملًا لسنوات… عاد يصدر صوتًا.
القاطرة تتحرك.
قد تتحرك بثِقَل.
قد تصدر محركاتها قليلاً من الضوضاء.
لكنها تتحرك — وهذا أكثر مما كان كثيرون يجرؤون على أن يتوقعوه بل ويأملوه.
مصر ليست “الصين الجديدة”.
ومصر لم تحقق معجزة.
مصر دولة تحاول أن تعيد ترتيب أوراقها في عالمٍ يزداد صعوبة
بالمخاطر والفرص.
بالإرادة… وبالإتجاه… وبالألم.
وربما تكون هذه هي القصة الحقيقية:
ليس أن مصر قد عادت بالفعل، بل أنها بدأت — أخيرًا — تتقدم.
وفي حراك هذا التقدّم، أرى أيضًا ملامح رحلتي الشخصية؛
رحلة رجل يفهم اللغة والإيقاع والحساسية، ويعرف كيف يُرشد الطريق في هذا الجزء المعقد والمتشعب من العالم.
وُلدت وتشكّلت في مصر، ونضجت علميًا ومهنيًا في هولندا، ووقفت نحو أربع عقود بين عالمين، أتنقل بينهما بفهمٍ وتجربة.
وعلى امتداد هذه السنوات، رأيت كيف يمكن للمؤسسات والشركات الأوروبية أن تضيع وسط تشابكات الواقع في بلاد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لا لضعفٍ منها، بل لغياب البوصلة الصحيحة.
ومن هنا يأتي دوري.
بصفتي مُتخصصًا في العلاقات الحكومية، وتطوير الاستراتيجيات، وإدارة أصحاب المصلحة، وتطوير الأعمال، أساعد الشركات والمنظمات الهولندية والأوروبية على دخول مصر والمنطقة بثقة، وعلى تحقيق أهدافها، بل وعلى بناء حضورٍ مستدام فيها — لا كغريبٍ عنها، بل كشخص يحمل العالمين معًا ويجيد التحدّث بلغتهما معاً.
ومن خلال هذا المقال، أمدّ يدي بدعوة واضحة:
إلى كل مؤسسة وشركة تبحث عن اتجاه، عن شريك، عن دليل ….
رحلتكم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا تحتاج أن تكون رحلةً منفردة.
أنا هنا لأساعدكم — في التخطيط، والتنفيذ، والتطوير، وحتى قيادة فرقكم وتدريبها هنا وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
* ماجستير علوم سياسية — متخصص في العلاقات الحكومية وتطوير الأعمال ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
