القائمة

محمد عبد الخالق | السايس والفنان

غرفة الأخبار أسبوعين مضت 0 3.2 ألف

لا يخلو حديثي معه عن حكاية إنسانية من أرض الواقع. أحيانًا أشعر أنه يفتش عمدًا في ثنايا المُجتمع، ومرات يُسجل مُشاهدات وأحداثًا لفتت نظره في الشارع، وأحيانًا يكون هو نفسه طرفًا فيها، ثم ينقلها على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك».
وبالأمس القريب قرأت له واحدة من هذه المشاهد الإنسانية التي تستوقفك، ليس فقط بسبب تفاصيلها، وإنما لأن بطلها شاب يمثل نموذجًا لسلوك وتصرفات أقل ما يقال عنها إنها تستحق الاحترام والتقدير.
كان السيناريست والفنان في منطقة الرمل بالإسكندرية، يبحث عن مكان ليركن سيارته. وهناك التقى برجل يعمل «سايس».
من اللحظة الأولى، لفت الرجل انتباهه.
نطقه للكلمات والتعبيرات الإنجليزية كان دقيقًا، من دون افتعال أو استعراض، وهيئته وأسلوب حركته وطريقة حديثه كانت، بالنسبة للفنان، تركيبة توحي بشخص «فوق جامعي»؛ رجل يبدو عليه التعليم والثقافة، وربما ينتمي إلى طبقة اجتماعية مختلفة تمامًا عن المكان الذي يقف فيه الآن.
ابتسم السايس وقال له:
«تحب تركن؟»
فأجابه:
«أرجوك.»
فأشار له بالتوقف فورًا، ثم التفت إلى السيارة التي كانت خلفه ورفع صوته:
«لحظة من فضلك.. هركن البيه حالًا علشان حضرتك تعدي.»
ثم ذهب إلى إحدى السيارات المركونة، وقادها إلى مكان آخر، وأشار للفنان بأن يركن مكانها.
كان موقفًا بسيطًا، لكنه ترك أثرًا.
وبينما كان الفنان يركن سيارته، عاد السايس إلى السيارة التي كانت خلفه مباشرة. كان صاحبها قد عاد، لكنه لم يكن يملك فكة كافية ليدفع.
فقال له السايس بكل هدوء:
«ولا يهمك.. لما تيجي الأسبوع الجاي يا فندم.»
لكن الشاب أصر:
«طب خد الخمسين دلوقتي وما أدفعش المرتين تلاتة الجايين.»
ابتسم السايس ابتسامة هادئة وقال:
«لا.. معلش. أنا يبقالي عندك.. وماله. لكن إنت يبقالك عندي؟! ده أنا بأجرلك شارع الحكومة.»
وضحك، ثم أضاف:
«العشرة جنيه اللي بتديهالي فضل منك.. اتكل على الله يا دكتور.»
وأخذ يشير له بالتحرك حتى لا تتعطل حركة الشارع.
ظل المشهد في ذهن الفنان.
لم يكن يتابع مجرد سايس ينظم وقوف السيارات، وإنما كان يتابع شخصية.
رجل يتحرك بسرعة بين السيارات، يساعد هذا، وينظم حركة ذاك، ويبعد سيارة من هنا، ويتعامل مع الجميع بأدب وخفة ظل وهدوء.
ومع تحركه سيرًا على قدميه في منطقة الرمل، ظل الرجل لا يختفي من عينيه.
وبعد نحو ساعة ونصف عاد إليه.
أسرع السايس وفتح له باب السيارة بمنتهى اللطف.
أخرج الفنان خمسين جنيهًا، لكن الرجل أعادها إليه في صورة أربعة عشرات وخمسة جنيهات.
قال له:
«كلهم ليك.»
فكان الفنان يريد أن يمنحه المبلغ كاملًا عن رضا، وهو يعرف أن السايس في القاهرة قد يطلب المبلغ نفسه في ظروف أسهل بكثير.
شكره الرجل بشدة، ثم داعبه قائلًا:
«هو صحيح الشارع مش بتاعي ولا أنا مأجره.. بس هعملك عضوية معايا في النادي.»
ثم تابع:
«والمرة الجاية لما تيجي افتكر تقوللي إنك Member. أنا أصلي بنسى الناس، خصوصًا لما يطولوا في الغيبة.»
ثم قال:
«ولما هتقولي إنك اشتراك، وحتى لو كان الشارع مليان.. بتصرف وبركتهم وليهم أولوية.»
استغرب الفنان، وتوقف مكانه.
لكن السايس ابتسم وأشار إليه بأن يتحرك، قائلًا:
«هتتعود عليّ بعد كده ومش هتعطلني زي النهارده.»
ثم اقترب من أذنه وقال:
«الشارع ده يا أستاذنا.. رحمني من بلاوي كتير. وهي خمس ست ساعات اللي بشتغلهم.. فضل كبير من ربنا عليا.»
هنا لم يستطع الفنان أن يقاوم فضوله، فسأله:
«بس إنت شكلك ما شاء الله عليك.. ولا كأنك مدير فندق.»
ابتسم الرجل، وهمس:
«لا والله ما كنتش مدير فندق.. تقدر تقول إني عزيز قوم ذل.»
ثم ابتسم، وتقدم إلى الأمام، وأخذ يشير إلى السيارات في أول الشارع:
«جاي لك.. ما تقلقش.»
ومضى.
ولم يره الفنان مرة أخرى.
ما الذي جعل السيناريست يتوقف أمام هذه الواقعة؟
ربما لأنه بحكم مهنته يعرف جيدًا أن الشخصيات الحقيقية لا تحتاج إلى مؤلف يختلق لها التفاصيل.
كل شيء كان حاضرًا أمامه: الرجل، ملابسه، لغته، ابتسامته، طريقته في التعامل، خفة ظله، ثم تلك الجملة القصيرة التي بدت كأنها مفتاح لحياة كاملة:
«عزيز قوم ذل.»
جملة واحدة، لكنها تصلح وحدها لأن تكون بداية فيلم.
فمن هو هذا الرجل؟
وماذا كان يعمل قبل أن يقف في شارع الرمل؟
ما الذي حدث له؟
وكيف انتهى به الحال إلى العمل خمس أو ست ساعات في اليوم سايسًا للسيارات؟
لا نعرف.
وربما كان الأجمل أننا لا نعرف.
فالفنان لم يحاول أن يخترع للرجل ماضيًا من عنده، وإنما تركه كما ظهر أمامه: إنسانًا مجهول الماضي، واضح الحاضر، شديد الإنسانية.
وهنا تكمن قيمة الحكاية.
فالسيناريست الذي اعتاد أن يصنع الشخصيات من الخيال، وجد في شارع من شوارع الإسكندرية شخصية مكتملة الأركان، لا تحتاج إلا إلى أن تروي حكايتها.
سايس يقف في الشارع، لكنه يتحدث كأستاذ جامعي، ويتصرف كمدير فندق، ويبتسم كمن لم تنجح الحياة في أن تنتزع منه كرامته.
وربما لهذا السبب ظل المشهد في ذاكرة الفنان.
فبعض الناس لا تمنحك أسماءها، ولا تعرف عن ماضيها شيئًا، ولا تلتقي بها إلا دقائق معدودة.
لكنهم يتركون وراءهم حكاية.
وهذا السايس ترك للفنان حكاية تصلح لأن تكون سيناريو كاملًا… وربما كان ينقصها فقط أن يقول لنا:

كاتب

  • تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

كتب بواسطة

تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *