القائمة

ليس تغييراً بل تطوراٌ

Linda Seleem 3 أشهر مضت 0 9.1 ألف

بقلم د. ليندا سليم

فرق شاسع بين أن يغيّر الإنسان مبادئه، وبين أن يطوّر فهمه لها
الأول سقوط، أما الثاني فنضج،الأول خيانة للذات، أما الثاني فهو رحلة الوعي التي خُلق الإنسان ليخوضها طوال عمره.

الإنسان لا يولد مكتملًا، ولا يظل ثابتًا كالصخر مهما مرّت به الأيام،نحن نتعلم، نُخطئ، نُصدم، نراجع أنفسنا، ثم نعود بفهم أعمق للحياة ولهذا لم يكن التراجع عن فكرة ثبت خطؤها نفاقًا، بل ربما كان شجاعة فكرية لا يملكها إلا الصادقون مع أنفسهم.

الطفل حين يُمسك النار يُحذرونه منها، ثم يكبر فيصبح هو نفسه من يستخدمها للطهي والتدفئة والصناعة فهل تغيّرت حقيقة النار أم تطور إدراكه لها؟
كذلك الأفكار والمواقف، وحتى الأشخاص،حين يدعم إنسان مسؤولًا أو قائدًا في مرحلة معينة، فهو غالبًا يبني موقفه على ما يراه أمامه من معطيات فإن أثبتت الأيام أن هذا المسؤول ليس أهلًا للثقة، أو أن السلطة كشفت ما كان مخفيًا، فالتراجع عن دعمه ليس نفاقًا، بل تصحيح للمسار،النفاق الحقيقي أن يرى الإنسان الخطأ واضحًا ثم يصفق له خوفًا أو مصلحة أو عنادًا حتى لا يُتهم بالتناقض.

العقول الجامدة فقط هي التي تعتبر مراجعة النفس ضعفًا.
أما العقول الحية فتدرك أن الحقيقة ليست حجرًا ثابتًا، بل بناء يُعاد ترميمه كلما ظهرت شقوق جديدة،حتى في مراحل التعليم، نحن لا نبدأ بالنظريات الخاصة بنا،الطالب في المراحل الأولى يتلقى، يحفظ، يكرر، ويُطلب منه الالتزام بمنهج محدد ثم كلما ارتقى علميًا اتسعت مساحة السؤال والبحث والنقد وفي مرحلة الدراسات العليا لا يعود المطلوب مجرد التلقي، بل الإضافة والتطوير وربما هدم بعض ما سبق وإعادة بنائه بما يناسب العصر والمعطيات الجديدة،وهذا ليس تمردًا على العلم، بل جوهر العلم نفسه.

فالعلم الذي لا يتطور يموت والإنسان الذي لا يراجع نفسه يتحول إلى نسخة حجرية من ماضيه،حتى العلاقات الإنسانية تخضع لهذا القانون،الرجل قد يحب امرأة بصدق، ويرى فيها الأصل والاحتواء والوفاء، ثم تكشف الأيام وجهًا آخر لم يكن يراه، أو تهزمها نزوات النفس، أو تتغير الطباع تحت ضغط الحياة فإذا اشتكى منها بعد حب، فليس بالضرورة أنه غدر بها أو نسي عشرتها، بل ربما اكتشف أن الصورة التي أحبها لم تعد موجودة كما كانت.
وكذلك المرأة قد تحمل زوجها فوق رأسها سنوات، ثم تتبدل الأحوال، فتذهب لتشتكيه بعدما كانت تفاخر به الدنيا، ليست كل التحولات خيانة، أحيانًا تكون مجرد لحظة سقوط للأقنعة أو انكشاف للحقيقة المؤجلة.

المشكلة أن بعض الناس يريدون من الإنسان أن يبقى نسخة واحدة طوال عمره، كأن النضج جريمة، وكأن مراجعة القناعات ضعف، بينما الحقيقة أن أكثر البشر صدقًا هم أولئك الذين يملكون شجاعة الاعتراف:
“كنت أرى الأمر هكذا ثم تعلّمت ما جعلني أراه بصورة مختلفة.”

ليس العيب أن تتغير وجهتك عندما تكتشف أن الطريق كان خاطئًا،العيب أن ترى الهاوية أمامك وتواصل السير فقط حتى لا يقول الناس إنك تراجعت والحياة لا تحترم المتجمدين،فالزمن نفسه قائم على التبدل؛ الليل يعقبه نهار، والفصول تتغير، والقلوب تتقلب، والبشر ينضجون أو يسقطون وفق ما يمر بهم.

لذلك فالتطور الفكري ليس خيانة للمبادئ، بل محاولة لإنقاذ المبادئ من الجمود ،أما المبادئ الحقيقية، فهي لا تتغير في جوهرها؛ كالصدق، والعدل، والرحمة، والكرامة لكن طريقة فهمنا وتطبيقنا لها تتسع كلما اتسعت تجاربنا.

ولهذا أحيانًا يكون الرجوع عن موقف قديم علامة صحة لا علامة تناقض
فالإنسان الذي يتعلم اليوم شيئًا جديدًا ثم يصر غدًا على جهله القديم فقط حفاظًا على صورته أمام الناس ليس ثابتًا على مبدأ، بل أسيرًا لكبريائه.

كاتب

الوسوم
كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *