د.شيرين طلعت تكتب|
ياترى الغربه بتكون بسبب بعد المسافات ولا الغربه بتبدأ من الداخل؟
فأحيانًا يكون الإنسان غريبًا داخل بيته، وبين الأشخاص الذين يحبهم أكثر من أي شيء آخر.
يجلس معهم كل يوم، يسمع أصواتهم، يشاركهم تفاصيل الحياة، لكنه يشعر وكأنه يقف خلف جدارٍ زجاجي سميك… يراهم ولا يصل إليهم، يسمعهم ولا يشعر بهم، يبتسم بينهم بينما في داخله مساحة هائلة من الصمت المؤلم.
أصعب أنواع الغربة ليست البعد الجغرافي، بل ذلك البعد الشعوري الذي يتسلل ببطء بين القلوب حتى تصبح العلاقة مجرد وجودٍ جسدي بلا دفء، وكلماتٍ عابرة بلا احتواء، ولقاءاتٍ ممتلئة بالفراغ.
هناك أشخاص يعيشون سنوات طويلة وهم يحملون هذا الشعور دون أن يشتكوا.
يتظاهرون أن كل شيء بخير، لأنهم لا يريدون خسارة من يحبون، لكن الحقيقة أن أرواحهم تُستنزف بصمت.
فالغربة مع الأحبة تُشبه الاختناق البطيء… لا يراه أحد، لكنه يترك أثره العميق داخل النفس.
في البداية تكون مجرد فجوة صغيرة؛
قلة حديث، انشغال دائم، تجاهل غير مقصود، تأجيل للمشاعر، غياب للاهتمام، حتى تتحول الأيام إلى صمت طويل.
ومع الوقت يبدأ الإنسان بالشعور أنه غير مرئي… وكأن وجوده لم يعد يُحدث فرقًا.
والمؤلم أن الإنسان حين يغترب عن الغرباء يستطيع الرحيل، أما حين يغترب عمّن يحب، فإنه يبقى عالقًا بين الرغبة في البقاء والخوف من الانكسار.
يبقى لأنه يحب، ويتألم لأنه لا يشعر بالحب كما يحتاجه قلبه.
هذا النوع من الغربة يترك آثارًا نفسية قاسية لا يتحدث عنها الكثيرون.
يجعل الإنسان أكثر توترًا، أكثر حزنًا، سريع الصمت، فاقدًا للحماس تجاه الحياة.
يتحول الكلام داخله إلى ضجيج لا ينتهي؛
عتاب مؤجل، مشاعر مكبوتة، أسئلة لا تجد إجابة: “هل تغيروا؟ أم أنا الذي تغيرت؟
هل ما زلت مهمًا لديهم؟
ولماذا أشعر بالوحدة رغم أنني لست وحدي؟”
ومع استمرار هذا الشعور يبدأ القلب بالتعب.
ليس تعب الجسد… بل ذلك الإرهاق النفسي الذي يجعل الإنسان ينسحب تدريجيًا من كل شيء.
يفقد رغبته في الحديث، في الشرح، في التعبير، لأنه يشعر أن أحدًا لن يفهم حجم ما بداخله.
ضجيج الصمت من أقسى ما قد يعيشه الإنسان.
أن تصرخ روحك من الداخل بينما وجهك هادئ أمام الجميع.
أن تحتاج كلمة حانية ولا تستطيع طلبها.
أن تمتلئ بالعتاب لكنك تختار السكوت خوفًا من أن تُفهم بطريقة خاطئة أو أن تبدو حساسًا أكثر مما ينبغي.
وفي النهاية، لا يحتاج الإنسان الكثير حتى يشفى من هذه الغربة…
لا يحتاج معجزات، بل احتواءً حقيقيًا، اهتمامًا صادقًا، شعورًا بالأمان، شخصًا يسمع ما خلف الكلمات، ويرى التعب المختبئ خلف الصمت.
فالقلوب لا تموت من قلة الحب فقط…
بل تموت حين تشعر أنها وحيدة، رغم وجود كل من تحب حولها.
