كتب | سعيد السُبكي
في زمنٍ أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي مصنعًا سريعًا للشهرة، لم يعد الوصول إلى الأضواء يحتاج إلى علمٍ حقيقي أو إنجازٍ حقيقي أو تاريخٍ مهني محترم، بل يكفي أحيانًا هاتف محمول، وكاميرا، وجرأة على الكذب، حتى يتحول بعض الأشخاص فجأة إلى “مشاهير” و”خبراء” و”دكاترة” و”رؤساء مُنظمات دولية” لا يعرف أحد عنها شيئًا سوى الأسماء الرنانة التي يطلقونها على أنفسهم.
وفي هولندا، بدأت هذه الظاهرة تتحول إلى مصدر قلق حقيقي داخل أوساط الجالية المصرية والعربية، بعدما دأب بعض المصابين بلوثة الشهرة وحب الظهور على نشر محتويات مُضللة، وأخبار غير دقيقة، وقصص مُبالغ فيها، بل وأحيانًا مُختلقة بالكامل، بهدف جذب أعداد كثيرة من المُتابعين وتحقيق حضور إعلامي زائف بأي وسيلة.
الأخطر أن هؤلاء لا يكتفون بمجرد الظهور على مواقع التواصل، بل يسعون بكل الطرق إلى صناعة صورة وهمية لأنفسهم أمام الناس. فتجد أحدهم يمنح نفسه لقب “دكتور” دون أي سند أكاديمي معروف، وآخر يصف نفسه بـ”الخبير الدولي”، وثالث يتحدث باعتباره “سفيرًا للسلام” أو “رئيسًا لمؤسسة عالمية”، بينما الواقع مختلف تمامًا، والحقائق ــ في كثير من الأحيان ــ لا تتجاوز شهادات تعليمية محدودة أو تجارب عادية جدًا لا تؤهلهم لما يدّعونه.
لقد أصبحنا أمام حالة من التزييف العلني للوعي، حيث يتم خداع البُسطاء عبر المظاهر والصور واللقاءات المصنوعة بعناية. بعضهم يلتقط صورًا أمام مؤسسات رسمية أو مع شخصيات عامة ثم يبدأ في تسويق نفسه باعتباره صاحب نفوذ أو مكانة، بينما الحقيقة لا تتعدى مجرد حضور عابر أو صورة عابرة تم استخدامها لصناعة هالة وهمية حول شخص لا يملك أي إنجاز حقيقي.
وللأسف الشديد، فإن بعض وسائل الإعلام العربية والمصرية تتحمل جزءًا من المسؤولية، لأنها أحيانًا تستضيف هذه النماذج دون تدقيق حقيقي في خلفياتهم العلمية أو المهنية، فيظهر أحدهم على شاشة فضائية أو في حوار صحفي باعتباره “خبيرًا في الشأن الأوروبي” أو “رئيس جالية” أو “باحثًا دوليًا”، في حين أن كثيرين داخل الجالية نفسها لا يعرفون له أي دور حقيقي سوى النشاط على الفيسبوك والتيك توك.
وهنا تكمن الخطورة الكبرى. فالمشاهد داخل مصر لا يعرف حقيقة المشهد في هولندا، وعندما يرى هذه الشخصيات تتحدث بثقة وتحمل ألقابًا براقة، يظن أنها تمثل المصريين بالخارج فعلًا، بينما الواقع أن الجالية المصرية في هولندا تضم عشرات النماذج المشرفة من أطباء وأساتذة جامعات ومهندسين وباحثين ورجال أعمال ناجحين، لكن هؤلاء غالبًا لا يسعون وراء الضجيج ولا يطاردون الكاميرات.
إن لوثة الشهرة أصبحت مرضًا حقيقيًا لدى البعض. فالرغبة في الظهور تحولت إلى هوس يدفع أصحابه إلى اختلاق البطولات، وتضخيم الإنجازات، وصناعة قصص وهمية عن النجاح والنفوذ والعلاقات، فقط للحصول على الإعجابات والمشاهدات والمتابعين. والأسوأ أن بعضهم يصدق أكاذيبه مع الوقت، فيعيش داخل شخصية مزيفة صنعها لنفسه، ويغضب بشدة إذا حاول أحد كشف الحقيقة.
كما أن هذه الظاهرة لا تؤثر فقط على صورة الأفراد، بل تسيء مباشرة إلى سمعة المصريين والعرب في أوروبا. فعندما تنتشر نماذج قائمة على الادعاء والمبالغة والتضليل، فإنها تعطي انطباعًا سيئًا عن الجالية، وتُضعف ثقة الناس في أي صوت عربي حقيقي وجاد. بل إن البعض أصبح يتعامل مع أي شخص يظهر إعلاميًا من الجالية بنوع من الشك بسبب كثرة المدعين وبائعي الأوهام.
ولا يمكن تجاهل أن جزءًا من المشكلة يعود أيضًا إلى الجمهور نفسه، حيث أصبح بعض المتابعين ينجذبون إلى الشخصيات الصاخبة والمثيرة للجدل أكثر من الشخصيات الجادة والمحترمة. فالسوشيال ميديا خلقت بيئة تكافئ المبالغة والاستعراض أحيانًا أكثر مما تكافئ الحقيقة والمعرفة، وهو ما شجع الكثيرين على ارتداء أقنعة زائفة لتحقيق الانتشار السريع.
إن كشف هذه النماذج لم يعد أمرًا شخصيًا أو تصفية حسابات كما يحاول البعض تصويره، بل ضرورة لحماية الوعي العام، وحماية صورة الجالية المصرية بالخارج، وحماية الناس من التضليل والخداع الإعلامي. فحرية التعبير لا تعني حرية الكذب، والشهرة لا تمنح أحدًا الحق في تزوير الحقائق أو سرقة ألقاب لا يستحقها.
لقد أصبح من الضروري أن يكون هناك قدر أكبر من التدقيق الإعلامي، وأن تتوقف حالة المجاملة والتلميع الزائف، لأن أخطر أنواع الكذب هو ذلك الذي يُقدَّم للناس على أنه حقيقة، وأخطر أنواع الخداع هو أن يتحول الوهم إلى منصة يتحدث منها المدّعون باسم مُجتمع كامل.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة أبقى من الضجيج، ويبقى أصحاب العلم الحقيقي والنجاح الحقيقي أكثر احترامًا حتى لو لم يطاردوا الأضواء، بينما يسقط تُجار الوهم عاجلًا أم آجلًا، لأن الألقاب المزيفة قد تخدع البعض لبعض الوقت، لكنها لا تصنع قيمة حقيقية ولا تاريخًا حقيقيًا.
