القائمة

لماذا لم نعد نتقبل سياسة الرأي والرأي الآخر؟

Linda Seleem 7 أيام مضت 0 1.1 ألف

د.شيرين طلعت تكتب:

لم نعد نختلف… بل أصبحنا نتخاصم.
ولم يعد الرأي مجرد وجهة نظر… بل صار هوية كاملة نحاكم بها بعضنا البعض.

في زمنٍ سابق، كان الاختلاف مساحة للحوار، وساحة لتبادل الفهم. أما اليوم، فقد تحول إلى معركة خفية، كل طرف فيها لا يبحث عن الحقيقة، بل عن الانتصار. لم يعد الهدف أن نفهم، بل أن نُثبت أننا على صواب… وأن الآخر على خطأ.

فماذا تغيّر؟

أولًا: ثقافة “الصوت الأعلى” لا “الفكرة الأعمق”
أصبح من يصرخ أكثر هو من يُسمع، لا من يفكر أكثر. منصات التواصل لم تعد مجرد أدوات للتعبير، بل ساحات صراع تُكافئ الحدة، وتُهمّش الهدوء. ومع الوقت، تعلّمنا أن نرفع صوتنا بدل أن نرتّب أفكارنا.

ثانيًا: الانغلاق داخل فقاعات فكرية
كل إنسان أصبح يعيش داخل دائرة تشبهه، يسمع فيها نفس الآراء، ويرى نفس القناعات، حتى يظن أن ما يؤمن به هو “الحقيقة المطلقة”. وعندما يظهر رأي مختلف، لا يُستقبل كفكرة… بل كتهديد.

ثالثًا: الخلط بين الرأي والكرامة الشخصية
حين أصبح الرأي امتدادًا للذات، صار نقده كأنه إهانة شخصية. لم نعد نُفرّق بين “أنا” و”ما أعتقده”، لذلك أي اختلاف يُشعرنا بالهجوم، فنردّ بالدفاع لا بالفهم.

رابعًا: الخوف من الاعتراف بالخطأ
الاعتراف بأننا قد نكون مخطئين يحتاج شجاعة… وهذه الشجاعة أصبحت نادرة. لأننا ربطنا الخطأ بالضعف، لا بالنضج. فصرنا نتمسك بآرائنا، لا لأنها صحيحة، بل لأن التراجع عنها مؤلم.

خامسًا: تآكل قيمة الحوار الحقيقي
الحوار لم يعد استماعًا متبادلًا، بل انتظارًا للدور في الرد. كل طرف يُعدّ كلماته وهو لا يزال يسمع الآخر، لا ليبني على ما قيل… بل ليفنّده.

لكن الحقيقة المؤلمة هي:
أننا حين نرفض الرأي الآخر، لا نحمي أنفسنا… بل نحرمها من النمو.

فالعقول التي لا تُخالط غيرها، تذبل.
والأفكار التي لا تُختبر، تضعف.
والمجتمعات التي تخاف من الاختلاف… تخسر قدرتها على التطور.

إن تقبّل الرأي الآخر لا يعني الموافقة عليه، بل الاعتراف بحقه في الوجود.
ولا يعني التنازل عن مبادئك، بل الارتقاء بأسلوبك.

ربما نحن لا نحتاج أن نتفق دائمًا…
لكننا بالتأكيد نحتاج أن نتعلم كيف نختلف دون أن نُقصي،
وكيف نتحاور دون أن نُهاجم،
وكيف نبحث عن الحقيقة… لا عن الغلبة.

لأن أخطر ما يمكن أن نصل إليه،
ليس أن نختلف…
بل أن نعتقد أن صوتنا وحده هو الحقيقة.

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *