القائمة

لماذا أصبحنا نخاف من الناس أكثر من خوفنا من الوحدة؟

غرفة الأخبار 3 أسابيع مضت 0 6.3 ألف

د.ماجدة محمود … تكتب
في لقاء تليفزيوني قديم، جلست الفنانة الراحلة رجاء الجداوي بهدوئها المعتاد، ذلك الهدوء الذي يشبه دفء البيوت القديمة وزمنًا كانت فيه العلاقات أبسط والقلوب أصفى. لم تكن تتحدث عن الفن ولا الشهرة، بل عن شيء أصبح نادرًا جدًا هذه الأيام… الأمان مع البشر. وحين سُئلت عن سر استمرار علاقتها القوية بالفنانتين ميرفت أمين ودلال عبد العزيز لسنوات طويلة، قالت كلمات شعرتُ أنها لا تُقال في هذا الزمن، بل في زمن آخر كانت فيه النفوس أخف والقلوب أنظف.

قالت ببساطة إنهم لا يفتشون وراء بعض، ولا يتدخلون في تفاصيل حياة بعض، لا واحدة تسأل الأخرى بأسلوب التحقيق: لماذا خرجتِ من غيري؟ ومع من كنتِ؟ وماذا قيل عنك؟ قالت إن لكل إنسان مساحة خاصة يجب أن تُحترم، وإن الحب الحقيقي لا يعني التملك ولا المراقبة ولا الفضول المؤذي. ثم قالت جملة تختصر معنى النضج كله: “ما بنبصش لمين عليه العين أكتر، ولا مين اسمه ألمع، ولا مين أجره أعلى… إحنا التلاتة مميزين في عيون بعض”. وبعدها ختمتها بجملة موجعة في جمالها: “بحبهم بعيوبهم ومتقبلاها جدًا”.

وقفت طويلًا أمام كلامها، وشعرت بشيء يشبه الحنين إلى عالم لم يعد موجودًا. عالم كانت فيه العلاقات راحة لا معركة، وطمأنينة لا توتر، ومودة بلا مقارنة. وسألت نفسي: أين ذهب هؤلاء الناس؟ لماذا أصبح الواحد منا يخاف أن يتكلم بعفوية؟ يخاف أن يفضفض أو يحكي عن وجعه، لأن كلمة واحدة قد تتحول إلى حديث على كل لسان؟ لماذا أصبحت بعض العيون مليئة بشيء خفي يشبه الحقد، حتى وإن اختبأت خلف نظارات سوداء وابتسامات باردة؟

أصبح الغدر يأتي أحيانًا ممن جلسوا معنا على نفس المائدة، وتقاسموا معنا الضحك والسنين والذكريات. أصدقاء عمر تكتشف فجأة أنهم كانوا يراقبون حياتك أكثر مما يحبونك، ويعدّون نجاحاتك أكثر مما فرحوا بها. علاقات طويلة تنهار بسبب غيرة صغيرة كانت تكبر بصمت داخل النفوس. بل إن بعض الأخوة أنفسهم أصبحوا يتعاملون وكأن الحياة لا تتسع إلا لشخص واحد ناجح أو سعيد.

هذا الزمن أتعب القلوب فعلًا. جعل الإنسان يفكر ألف مرة قبل أن يثق، وألف مرة قبل أن يحكي، وألف مرة قبل أن يقترب. لم تعد المشكلة في قلة الناس حولنا، بل في ندرة الأمان بينهم. كثرة الوجوه لم تعد تعني الصحبة، وكثرة الكلام لم تعد تعني الصدق، وكثير من العلاقات أصبحت مجاملات طويلة تخفي تحتها غيرة صامتة أو مصلحة مؤقتة أو مقارنة لا تنتهي.

ولهذا بدأ كثيرون ينسحبون بهدوء. لا لأنهم يكرهون البشر، بل لأن أرواحهم تعبت من الخذلان. تعبوا من الطيبة التي تُقابل بالاستغلال، ومن الوفاء الذي يُقابل بالنكران، ومن العلاقات التي تبدأ بالدفء وتنتهي بالخذلان. فأصبح الإنسان يبحث عن السلام أكثر من بحثه عن الصحبة، وعن الطمأنينة أكثر من رغبته في كثرة المعارف.

نعم… الوحدة أحيانًا موجعة، لكنها أرحم من صحبة تستنزف روحك كل يوم. الوحدة مع الله فيها سكينة لا تخونك، وونس لا يؤذيك، وراحة من ضجيج العلاقات المتعبة. فيها مساحة آمنة لا تحتاج فيها أن تشرح نفسك، أو تدافع عن نيتك، أو تخاف من عين تراقبك في صمت وتتمنى زوال نعمك.

ومع ذلك، يظل داخل كل واحد منا أمنية صغيرة جدًا… أن يجد شخصًا يشبه هؤلاء الثلاثة، روحًا هينة لينة، لا تؤذي ولا تغار ولا تنافس، شخصًا يكون حضوره راحة لا عبئًا، وأمانًا لا خوفًا. لأن الحقيقة التي اكتشفناها متأخرين، أن أجمل نعمة في هذا الزمن ليست المال ولا الشهرة ولا المناصب… بل قلب نقي، إذا اقترب منك اطمأن قلبك ولم تخف

magy-mews@hotmail.com

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *