ماجدة محمود… تكتب
في بلدٍ عرف أهله معنى الصبر قبل أن تُكتب عنه الحكايات لم تكن واقعة الطالبة في مدرسة بني سويف مجرد موقف عابر أو خطأ فردي بل كانت مرآة كاشفة لحقيقة أعمق يعيشها ملايين المصريين كل يوم دون ضجيج شعب كامل يتقن فن الاحتمال ويعيد ترتيب احتياجاته وفق ما تتيحه ظروف قاسية فيأكل أقل ويصبر أكثر ويخفي ألمه خلف ابتسامة لا تخلو من كرامة المصري الذي يواجه الغلاء وتدني الدخل بقدرة مذهلة على التكيف لكنه لا يفقد إحساسه بالعدل ولا يتنازل عن حقه في الاحترام ما حدث لتلك الطالبة لم يكن فقط تنمرًا على وجبة بسيطة بل كان إهانة لمعنى الكفاح اليومي الذي تعيشه أسر كثيرة تخرج أبناءها إلى المدارس بما تيسر من طعام وتزرع فيهم الأمل رغم ضيق الحال وبينما يقف المواطن البسيط محاصرًا بارتفاع الأسعار وثبات الدخل نجد في المقابل فجوة صارخة في توزيع الموارد حيث يحصل البعض على دخول خيالية بينما يعجز آخرون عن توفير أبسط الاحتياجات وهو ما يخلق شعورًا بالمرارة لا يمكن تجاهله ومع هذا كله يظل المواطن صابرًا لكنه ليس غافلًا ولا فاقدًا لإحساسه بما يدور حوله وحين تتحول بعض المواقع الوظيفية إلى مساحات لسوء استخدام السلطة سواء بتعطيل مصالح الناس أو فرض الإتاوات أو التعامل مع المواطنين وكأنهم أقل شأنًا فإن الأزمة لا تعود اقتصادية فقط بل تصبح أزمة ضمير وسلوك إن ما حدث في تلك المدرسة ليس إلا نموذجًا صغيرًا لما يمكن أن يفعله غياب الرحمة حين يقترن بالسلطة فبدل أن يكون المسؤول سندًا يصبح عبئًا وبدل أن يحمي كرامة الناس ينتهكها وهنا تتحول القصة من واقعة فردية إلى صرخة مجتمع يطالب بالعدل لا بالامتيازات وبالإنصاف لا بالمجاملات وباحترام الإنسان أيًا كان موقعه أو دخله لأن الكرامة لا تُقاس بحجم الوجبة ولا بثمن الملابس بل بما يحمله الإنسان من قيمة داخلية لا يحق لأحد أن ينتقص منها إن المصري الذي استطاع أن يعيش بأقل القليل قادر أيضًا أن يميز بين من يخدمه ومن يستغله وبين من يحترمه ومن يتعالى عليه وهذه الصرخة ليست ضد شخص بعينه بل ضد فكرة كاملة تحتاج إلى مراجعة فكرة أن السلطة تعني التفوق على الناس لا خدمتهم وأن الفقر مبرر للإهانة لا دافع للتكافل لذلك فإن المطلوب اليوم ليس مجرد محاسبة مسؤول بل إعادة ترسيخ معنى العدالة في توزيع الفرص والموارد وإعادة الاعتبار لقيمة الإنسان داخل كل مؤسسة لأن الأمم لا تُقاس فقط بمعدلات نموها بل بقدرتها على حماية أضعف أفرادها ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية حكاية شعب صابر لكنه لم يقبل ان يهان
magy-mews@hotmail.com
