ماجدة محمود … تكتب
يتعامل بوب براير في كتابه جريمة قتل توت عنخ آمون مع التاريخ بوصفه تحقيقا مفتوحا لا حقيقة نهائية مغلقة. لا يكتفي بسرد حياة الملك الشاب ولا بإعادة رواية قصة المقبرة الشهيرة بل يدخل إلى منطقة الشك ليطرح سؤالا جريئا هل مات توت عنخ آمون ميتة طبيعية أم كان ضحية صراع على السلطة.
يعتمد براير على منهج يجمع بين الطب الشرعي والتاريخ السياسي. يفحص حالة المومياء بدقة ويحلل الكسور والإصابات والتشوهات الجسدية مستندا إلى تقارير الأشعة والدراسات الطبية الحديثة. هذا التحليل لا يُقدَّم كإثبات قاطع بل كخيط يقود إلى فهم أوسع للسياق الذي عاش فيه الملك الصغير.
الكتاب يكشف عن هشاشة الحكم في أواخر الأسرة الثامنة عشرة. توت عنخ آمون لم يكن ملكا قويا بل شابا محاطا برجال نفوذ يتحكمون في القرار السياسي والديني. براير يضع القارئ أمام شبكة معقدة من المصالح تضم الكهنة والقادة العسكريين والبلاط الملكي حيث يصبح موت الملك احتمالا سياسيا لا مجرد حادث عارض.
أحد جوانب القوة في الكتاب هو ربط الجسد بالسلطة. جسد الملك هنا ليس أثرا تاريخيا فقط بل وثيقة سياسية تحمل آثار الصراع. الإصابات المحتملة تصبح دلالات على العنف أو الإهمال أو المؤامرة. هذا الربط يجعل التاريخ ملموسا ويحوّل المومياء من رمز إلى شاهد صامت.
لا يسقط براير في فخ الإثارة الرخيصة رغم عنوان الكتاب. يترك مساحة للشك ويعترف بحدود الأدلة. هذا التوازن بين الجرأة العلمية والتواضع المنهجي يمنح الكتاب مصداقية ويجعل القارئ شريكا في التفكير لا متلقيا لحقيقة جاهزة.
في النهاية لا يقدّم كتاب جريمة قتل توت عنخ آمون إجابة نهائية بقدر ما يقدّم طريقة جديدة لقراءة التاريخ. يذكّرنا بأن الماضي ليس سردا مغلقا بل نصا قابلا لإعادة الفهم كلما تطورت أدوات المعرفة. ومن خلال هذا اللغز القديم يعيد براير طرح سؤال معاصر عن السلطة والحقيقة ومن يدفع ثمن الصراع على الحكم حتى لو كان ملكا.
ي
