كتب | محمد عـبد الخالق
جاءت خطئا للقاهرة عام ٢٠٠٦ . أستاذة علم جمال في احدي جامعات شمال أوروبا الهامة . كانت أول زيارة لها للقاهرة . زارت من الشرق الأوسط تركيا وإسرائيل والأردن ومرت بدبي وتونس .. سكنت في أوتيل قديم بالقرب من وسط البلد . غُرفه قديمة بحمامها لم تحبها فقد كانت غير مُريحة المقاسات ضخمة . تهبط بقدميها حينما تستيقظ فلا تصل قدميها للأرض .. كادت في صباح اليوم الثاني لها أن تلوي كاحلها . غُرفة شحيحة الرفاهية .. وهي التي تعيش في شقة اكبر قليلًا من هذه الغرفة . ولكنها في قمة الحداثة .. استمرّت بها فقط لرخص سعرها . حيث كانت رحلتها غير ممولة من أي جهة .
تجربتها مع القاهرة تحولت إلي مأساة بداية من اليوم التالي لوصولها .. حيث حملت الخريطة ونزلت تبحث وحدها عن وجهتها .. كانت المرة الأولى التي شاهدت فيها آدميين يعبرون الشوارع بينما الاشارة حمراء .. وصدمها موتوسيكل وهي تعبر الشارع بينما الإشارة خضراء .. عانت من ارتفاعات الأرصفة، الأصوات، نفير السيارات .. والشوارع المُهملة والزحام الغير متوقع والباعة في كل مكان .. كانت تصطدم طوال سيرها بالأجسام حولها وهي لا تدري كيف تستطيع ان توقف هذا الاحتكاك الدائم والجبري .. فشلت في الوصول لأي مكان قصدته عن طريق الخرائط ” لم يكن مستر جوجل موجود وقتها ” كادت تنهي رحلتها وتغادر في اليوم الثالث لولا أنها عنيدة، كما أنها لم تزر بعد أهم مواقع الحضارة المصرية كالأهرامات وجامع السُلطان حسن والمتحف المصري والكنيسة المعلقة .. وضعت جدولا مُكثفا لتنهي ما تمنت رؤيته خلال اسبوع وتغادر “المضطر .. يركب الصعب ” ولهذا قررت القبول بهذا البلد الفوضوي-حسب تعبيرها –
سمحت لها تلك الاستجابة أن تحاول مرة أخري التناغم مع الفوضي لتحمي جسدها من الاصطدامات ولتستطيع السير وسط هذا الطوفان الجارف من الناس وان كانت قد بدأت في التعاطف معهم .. فهي في النهاية ستغادر .. أما هم فلا أمل لديهم .. كذلك فهم طيبون .. لُطفاء .. رغم صوتهم العالي .. وحميميون .. خطف منها اللص حقيبة يدها وبها جواز سفرها .. وابتسم لها وهو يجري بالموتوسيكل، وقال لها welcome .. فزعت للسرقة ولكنها لم تنس وجه اللص المُبتسم والذي رحب بها .. قالت لي .. خطف مني الحقيبة بلُطف وهدوء .. لقد حرص ألا أقع علي الارض .. مش زي سرير الفندق .. لصوصكم افضل من العاملين بالسياحة ..
بدأت تنجذب للجوامع بعد زيارة السلطان حسن .. رأت الأحجار الموجودة عليها نقوش من الكتابة الهيروغليفية وعرفت السبب وتعجبت .. قالت ان السلطان حسن ملحمة ليس لها مثيل ولا حتي كاتدرائيات أوروبا العظيمة .. فبه مجد روحي نادر .
اضطرت لتعديل جدولها لتعود للسُلطان حسن عدة مرات في توقيتات مُختلفة من النهار .. فالأمر ليس سيان .. وكان آخر تعديل حينما عرفت ان لدينا صلاة الفجر .. ياللهول .. دخلنا للجامع في آخر الليل واستقبلت فيه شروق الشمس بجنون عمارته القاهرة كمدينتنا.
مقابر تضج بالحياة
كانت رحلتها للكنيسة المعلقة مذهلة وخاصة بسبب بئر كنيسة أبو سرجة وأطلال الفسطاط.. بدأت دون تخطيط تتردد علي جبانة المماليك، اقصد مقابر الغفير والإمام .. احبت باعة الجريد والورد أمام المقابر .. انه ورد قديم .. اقترب من الذبول .. تأتون أمواتكم بالورود القديمة .. غالبا تلك التي تأخر بيعها لدي باعة الورود للأحياء .. فكرة ذكية .. قالت لي إنها لم تجد الورود بالمقابر في بلدان اخري زارتها في المنطقة .. ثم استدركت ” لم أر مقابر في بلدان الشرق الأوسط التي زرتها .. نعم .. لا في الأردن ولا دبي ولا حتي اسرائيل .. فقط في إسطنبول .. كانت انظف وأكثر زخرفة وتنسيق .. لكن مقابركم ليست للأموات .. فهي تضج بالحياة “
عادت مرة اخري لتؤخر جدول سفرها لزيارة الأهرامات بعدما زارت المتحف المصري وزادت صدمتها وقتها .. فهذا المتحف وحده يحتاج لزيارات شبه يومية ومُتكررة خلال أعوام لتشبع فضولها وغريزتها .. أجلت الذهاب للأهرامات لانها كانت تعلم ان الأمر في هضبة الجيزة اغرب وأصعب في التناول والفهم .. أو هكذا قرأت أو فهمت من كتابات هنري برستد وهيرودوت.
دون ان تدري صديقتي ( صرنا أصدقاء ) انها تعلقت بطبق الفول عند سعد الحرامي .. وأدمنت الكشري وكانت تفضل بابا عبده -بعد تجارب كثيرة مع كل محال الكشري – وكانت كثيرا ما تذهب الي فرحات لتأكل الحمام بعدما قالت يومًا بصوت عال عن الجالسين بالمطعم إنهم همجيون- حينما عرفت أنهم يأكلون الجمام – صارت تسير دون تصادمات .. وبدأت تتعلم عبور الطرق اثناء احمرار الاشارة .. كان الشاب حامل طاولات الخبز بدراجته التي احترف قيادتها كفقرات السيرك هي فقرتها الأثيرة تصفق له وتصفر حينما تراه .. صارت تجلس لفترات اطول بالمقاهي .. لم تعد تراه وقت ضائع .. كانت تردد أن الاسترخاء علي المقهي نوع من الرياضة الروحية .. تعلقت بكباري النيل علي اختلافها .. وقالت ان لكل كوبري فيهم ساعته الأجمل في اليوم واعتبرت ان كوبري البحر الصغير بالمنيل هو المعبر للفجر بينما قصر النيل معبر العصاري .. أحبت صلاة الجمعة وهذا التداخل الذي اعتبرته في البداية مزعج وتحول تدريجيا الي ما يشبه الطبول الكبيرة في الأوركسترا – حسب قولها – وهو ما يشبه مفهوم العامة لصلاة الجمعة التي تدق أجراس الإنذار والتي تمثل ضبطا لواقع الحياة ” وان كنت أنا شخصيا لا أري ذلك”،
ذهبت الي سفارتها تطلب وثيقة سفر بديلة .. فوجدت جواز سفرها .. تركه احدهم للأمن وقال انه وجده بالشارع .. وكان بداخله ورقة بيضاء مكتوب عليها welcome .. ضحكت حتي وقعت علي الارض وهي تقسم انها أحبته .. وقالت -لقد أدرك أعجابي به وها هو يبادلني الحب بطريقته.. في اليوم التالي كانت بجوار هرم خوفو .. وركبت عنتر وهو حصان عربي قوي اخذها وجري لعمق الصحراء وحدهما .. وخفنا يومها كثيرًا لكن الحصان كان مدرب وعاد بها في وقت معين .. وتصورت انها لعبة قام بها صاحب الحصان. حتي نكافئه .. وقد فعلت ذلك وهي تُدرك انها تعرضت للنصب .. كنا جميعا لا نريدها ان تعطي صاحب الحصان اي شيء بعدما حدث .. لكنها أصرت ان الحصان اخذها لتري سر اجدادنا القدماء بعينها .. وهو مالا يقدر بثمن .. وحينما سألناها ماهو السر .. هزت رأسها وقالت ” هو سر فكيف أبوح به.
غادرت القاهرة بعد ٨٥ يوم مضطرة بسبب بدء الدراسة بالجامعة التي تعمل بها وضرورة عودتها للعمل.. قالت لي .. ان استطعت سأترك الجامعة واعود لأعيش هنا بالقاهرة .. انت محظوظ .. مدينتكم مريعة لن تجد فيها وقت للاكتئاب أو التفكير في شيء .. سألتها .. هل أصبحت تستمتعين فيها ؟ قالت
نعم .. لا وقت للتفكير .. صرت انتبه وأنا أفيق واهبط من السرير المرتفع .. سر الغرفة الضخة القديمة ان تنتبه لكل شيء دون تفكير .. انتباه لا إرادي .. وقالت وهي تحتسي كركديه ساقع .. إذا كان لكل مدينة موسيقاها .. فالقاهرة سيمفونية من سيمفونيات بيتهوفن .. هذا الزحام هو عدد كبير من الألحان الغير متشابهة كل لحن منها مستقل بذاته وكل هذه الألحان متداخلة دون تصادم ولا تشوه مثل الناي في بلدكم .. يسيرون في الشارع ويعبرون الإشارات دون تفكير ولا تصادم .. كلها أفعال غير متوقعة ومُتداخلة ومُتناغمة .. أنا تعبت حينما كنت أريد ان افرض لحني الخاص – وهو حقي – لكن القاهرة لها نظرية السيمفونية الرومانسية .. فلكل منا لحنه .. لكن علي كل لحن ان يدرك الألحان المحيطة به .. ووقتها سيتإلف ويحب ما حوله ويستطيع التوافق
غادرت .. ولم تعد بعدها .. قالت لي يومًا لن ازور القاهرة مرة أخري .. لو جئت لها فلن أعود لأهلي .. ولكنها تركت لي ذكريات جميلة .. عن صدمة القاهرة التي لا ندركها لأننا جزء من هذه الصدمة .. أحد الحان سيموفونية القاهرة.
