القائمة

لاهوت الهدنة| حين تُدار الجغرافيا بعقيدة النجاة لا بعقود السلام

Linda Seleem أسبوعين مضت 0 6 ألف

د.ليندا سليم تكتب|

ليست الحروب في جوهرها العميق صراعًا على الأرض بقدر ما هي صراع على المعنى الذي تُمنحه الأرض ومنذ اللحظة الأولى التي انشطر فيها الوعي الإنساني بين جنةٍ تُرجى ونارٍ تُخشى، لم يعد القتال دفاعًا عن حدودٍ فقط بل دفاعًا عن سردية النجاة نفسها. 

من هنا لا تبدو مهلة الأسبوعين المتداولة بين أمريكا وإيران و(إسرائيل)  توقفًا للحرب بقدر ما هي انتقالٌ بها إلى مستوى أكثر هدوءًا وأكثر خطورة في آنٍ واحد،مستوى يُعاد فيه تعريف العدو، وتُعاد فيه صياغة من يملك حقّ الخلاص، لا من يملك السلاح فقط.

وفي هذا الامتداد تتشابك الطبقات دون أن تنفصل:

 نفسيًا| تُدار المنطقة بمنطق “الخوف المؤجل”؛ فلا أحد يسعى إلى الانفجار الكامل، لكن الجميع يستثمر في احتماله، فيتحول الخوف من حالة عابرة إلى بنية دائمة تُنتج الطاعة وتُبرر التنازل وتُعيد تشكيل الوعي بحيث يقبل بما كان يرفضه، فقط لأنه يخشى ما هو أسوأ،وداخل هذا الخوف نفسه، يتخلق البعد الاقتصادي بوصفه الوجه الأكثر برودة للمشهد وإذ لم تعد الحرب تُموَّل بقدر ما أصبحت تُستثمر، ولم يعد الدم خسارة خالصة بل عنصرًا في معادلة تسعير معقدة، يُقاس فيها وزن الدول بقدرتها على الاحتمال لا على الحسم، ويُعاد فيها تعريف المنهك لا كضحية بل كفرصة لإعادة التشكيل بشروط الآخرين.

ومن هنا لا يمكن فصل السياسي عن هذا النسيج، فالمشهد لا يُختزل في صراع ثلاثي كما يبدو، بل يتحرك عبر طبقات متراكبة من التفاوض،طبقة تُعلن العداء وتُغذّي الضجيج، وأخرى تُدير المصالح في الظل، وثالثة تُمسك بميزان التوازن حتى لا ينهار كل شيء دفعة واحدة و في هذه المنطقة الرمادية، يصبح من الممكن أن يتعايش الصراع والاتفاق دون تناقض، وأن يتحول الخصم إلى شريك مؤقت، والحليف إلى عبء قابل لإعادة التقييم، وهنا تحديدًا يتسلل البعد الديني لا بوصفه مرجعية أخلاقية خالصة، بل كقوة تحريك تُعاد صياغتها سياسيًا، إذ لا يتحرك الإيمان في ذاته، بل يُحرّك حين يُحمَّل بوظيفة تتجاوز حدوده، فتُقدَّم المعركة بوصفها واجبًا كونيًا، ويُعاد تشكيل الاصطفاف العاطفي على أساس النجاة لا على أساس الفهم، فيرى البعض في تجسيدًا للمقاومة لا لأنها بلا مشروع، بل لأن خصومها أكثر رفضًا، فيتحول الاختيار من بحثٍ عن الأصلح إلى هروبٍ من الأشد نفورًا.

ومع هذا التعقيد تتوزع الكلفة دون عدالة واضحة، وفيه  تُدار المعادلة بوعيٍ حاد بأن كل الخيارات مكلفة، وأن القرار لم يعد بين ربح وخسارة، بل بين نوعين من النزيف، أحدهما سريع والآخر مؤجل، وفي الحالتين تُدفع الفاتورة،وعلى امتداد المشهد، تظهر كقوة تُدرك حدودها بدقة، حيث لا تُقاس الحركة بجرأة الفعل فقط، بل بقدرة التوقيت على حماية ما تبقى من توازن، بينما تنزلق دول مثل لبنان وسوريا وليبيا واليمن وغيرهم خارج موقع الفعل إلى موقع الاستخدام، فلا تعود أطرافًا في المعادلة بقدر ما تصبح ساحات تُختبر عليها نتائجها مسبقًا.

وسط كل ذلك تبرز الحقيقة الأكثر إرباكًا، لا أحد يملك تفويض تمثيل الدين، ولا أحد قادر على احتكار طريق النجاة داخل السياسة، لأن الدين في أصله بوصلة لكنه حين يُحمَّل بما لا يحتمل يتحول إلى وقود، والوقود لا يقود بل يُحرّق، لذلك فإن الخطر لا يكمن فقط في تعدد الأجندات، بل في قابلية تصديقها حين تُغلف بالمقدس، وفي الاستعداد النفسي للانخراط فيها تحت وهم الاصطفاف الصحيح.

وعليه لم يعد السؤال: من على حق؟ ولا حتى من سينتصر؟ بل أصبح السؤال الأكثر دقة: من يُعاد تشكيله وهو يظن أنه يختار؟ لأن أخطر ما في هذه المرحلة ليس أن تُهزم الأطراف، بل أن تدخل المعركة مقتنعًا أنك تدافع عن ذاتك، بينما يتم بهدوءٍ محسوب إعادة تعريفك داخل معادلة لا تملك مفاتيحها.

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *