القائمة

كُلُنَا كافِرُون

Linda Seleem أسبوع واحد مضت 0 3 ألف

بقلم |د.ليندا سليم

ليس عنواناً للجذب، بل حقيقة فلسفية
اخترت هذا العنوان الصادم ليس بدافع الإثارة الرخيصة أو رغبة في جذب القراء كما تفعل بعض المواقع والمنصات، بل لكونه يعبر بصدق شديد عن حقيقة لغوية وفلسفية غائبة عنا، إن الهدف من وراء هذه التسمية هو نزع سلاح الترهيب والتخويف الذي تستخدمه الجماعات المتطرفة بجهل، وتفكيك هذه الكلمة لإعادتها إلى أصلها الفطري البسيط،فنحن عندما ندرك أن الإيمان بشيء يتطلب حتماً ستر ونبذ نقيضه، سنفهم أن الكفر بمعناه الأصلي هو مجرد انعكاس لحرية الاختيار الإنساني التي يمارسها كل واحد منا يومياً، دون حاجة للتهويل أو بث الكراهية.

كلنا كافرون
في عمق التجاذبات الفكرية والدينية التي تضرب عالمنا المعاصر، يبرز مصطلح “الكفر” كأحد أكثر الألفاظ إثارة للرعب والقطيعة، وأشدها تعرضاً للتشويه المتعمد والتوظيف السياسي والجهل المطبق،لقد تحولت هذه الكلمة، بفعل الفئات المتطرفة والمدارس التكفيرية، من مفهوم يصف حالة ذهنية أو اختياراً عقائدياً، إلى سلاح للإقصاء المعنوي والمادي،ولكن إذا ما أزلنا غبار التسييس عن هذا المصطلح، وعدنا إلى جذوره اللغوية والفلسفية والنفسية، فسنصل إلى حقيقة مدهشة تبدو صادمة للوهلة الأولى، وهي أننا في الحقيقة “كلنا كافرون”.
إن الجذور اللغوية لكلمة “كفر” في اللسان العربي لا تحمل في طياتها أي حكم أخلاقي مسبق أو شحنة كراهية، فالكفر في أصله يعني “الستر والتغطية”،فالزارع الذي يغطي البذور بالتراب يُسمى في لغة العرب “كافراً” كما ورد في النص القرآني “كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ”، والمقصود هنا هم الزرَّاع الذين يسترون البذور في الأرض ومن هذا المنطلق اللغوي البسيط، تتجلى حقيقة فلسفية عميقة؛ فالإيمان بشيء ما يتطلب بالضرورة الكفر بنقيضه، ولا يمكن لوعي الإنسان أن يستقر على فكرة إلا إذا “غطى” أو “ستر” الفكرة المقابلة لها. المسلم، في جوهر عقيدته، كافر بالتثليث والشرك، والمسيحي كافر بنبوة محمد، واليهودي كافر بالعهدين الجديد والقرآني وكل صاحب عقيدة هو بالضرورة كافر بعقيدة الآخر، ليس من باب العداء بالضرورة، بل من باب التمايز العقلي والمنطقي. فكيف يستقيم أن نطلق على هذا المصطلح حكماً بالإعدام والنبذ، وهو في أصله وصف لعملية الاختيار الفكري؟


يمتد هذا المفهوم ليتجاوز الشرائع إلى السلوكيات والمشاعر الإنسانية والنفسية ،فالحياة في جوهرها قائمة على هذه الثنائية من الإثبات والستر،فالغني الذي يعيش في ترفه، ويغض الطرف عن حاجة المعوزين، هو في حالة “كفر” عملي ونفسي بآلام الفقير، والفقير الصابر يكفر بمغريات الجشع والطمع و الأمين يكفر بالخيانة ويستر دوافعها في نفسه، بينما الخائن يكفر بالأمانة ويسقطها من حساباته.

إننا نكفر كل يوم بآلاف الأفكار والمشاعر والقيم لنتبنى غيرها، وهذا التدافع النفسي الداخلي هو الذي يصنع هويتنا الفردية والجهل بهذه الحقيقة النفسية هو ما جعل المتطرفين يختزلون “الكفر” في بعده الديني التدميري، متناسين أن النفس البشرية مجبولة على ستر ما لا تؤمن به لتأكيد ما تؤمن به.
وعند الانتقال إلى المشهد السياسي والاجتماعي، نجد أن “السياسة الدينية” قد طوّعت هذا المفهوم وحوّرته لخدمة مصالح السلطة والسيطرة،لقد عمدت الجماعات التكفيرية إلى استخدام الآيات القرآنية في غير موضعها، مجتزأة من سياقاتها التاريخية والمقاصدية، لترهيب المجتمعات ووسم المخالفين بالكفر المستوجب للقتل أو الإقصاء،هذا التوظيف السياسي يعتمد بالدرجة الأولى على سيكولوجية القطيع وتجهيل الجماهير، حيث يتم تصوير الكفر كجريمة كبرى ضد الإله، بينما هو في الحقيقة، ضمن السياق الذي وضعه الإسلام، يمثل حرية الاختيار الإنساني التي كفلها الخالق في قوله “فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ”و الإسلام لم يأتِ ليلغي العقائد الأخرى أو يكفر الشرائع السابقة من باب الانتقاص، بل اعترف بها وتكامل معها، واعتبر أن الاختلاف مشيئة إلهية كونية،
إن الحقيقة الشرعية الصافية تؤكد أن الإسلام، بقرآنه وسنته، لا يكفّر عقيدة أو شريعة أخرى لمجرد الاختلاف، بل إن التكفير في المنظور الإسلامي العميق لا يقع إلا على الجاهلين الذين قامت عليهم الحجة الواضحة بالحق فأنكروها جحوداً وعناداً، وليس عن بحث أو قناعة مغايرة والكفر الذي يذمه الدين هو كفر الجحود بالحق بعد معرفته، وليس كفر عدم المعرفة أو كفر الاختيار النابع من بيئة الإنسان وثقافته. لقد عاش غير المسلمين في كنف الدولة الإسلامية التاريخية كمواطنين لهم كامل الحقوق وحرية ممارسة شعائرهم، ولم يتم التعامل معهم من منطلق التهويل السائد اليوم.

إن إعادة الاعتبار لمفهوم “الكفر” وتحريره من قبضة المتطرفين والجهلاء هو واجب فكري وأخلاقي، لنفهم أن كفرنا ببعض الأفكار هو دليل على إيماننا بأخرى، وأن هذا الاختلاف هو سر الوجود الإنساني، وليس مبرراً لزرع الأحقاد والحروب.

كاتب

الوسوم
كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *