القائمة

كيف يرمم “الرجل الكذاب” أمان المرأة الصريحة ويحمي سلامها النفسي؟

ليندا سليم 4 أشهر مضت 0 9.3 ألف


بقلم: د. ليندا سليم
في العلاقات الإنسانية، يُقال غالباً إن الكذب يُستخدم كدرع لحماية النفس أو لتجنب العواصف البصرية، لكن، هناك نوع من الرجال يمارس الكذب بدافع “شراء دماغ” أو “ليُريح رأسه” من نقاش محتمل، حتى وإن كان الأمر يتعلق بأشياء تافهة لا تستدعي المواربة، والمفارقة المضحكة المبكية هنا، أنه لو نطق بالحق لربما نال راحة أكبر، ووفر على نفسه وعامته عناء الغرق في شبكة من التفاصيل المزيفة، إن العيش مع رجل يمارس الكذب التافه هو بمثابة السير في حقل ألغام غير مرئي، فمهما كان رد فعل شريكته قوياً أو عفوياً، يظل الكذب في حد ذاته هو المسبب الأول للقهر والألم، وليس تفاصيل القصة، لأنه يسحب من تحت أقدام العلاقة بساط الأمان واليقين.
والمرأة التي تختار الصدق منهجاً، لا تفعل ذلك لأنها عاجزة عن الخداع، ولا لأنها لا تخاف من العواقب، بل لأنها تحترم عقلها أولاً وتحترم شريكها ثانياً، وعندما تواجه هذه المرأة الصريحة كذباً تافهاً، لا تشعر بالغضب فقط، بل تشعر بـ “القهر”، هذا الكذب يبعث برسالة مبطنة مفادها أن وعيها مستهان به، وأن الحقيقة معها “مكلفة” لدرجة تستدعي التزييف، والقهر الحقيقي يكمن في أن هذا السلوك يحول المواقف البسيطة اليومية إلى معارك صامتة، ويمتص طاقة الثقة لتتحول إلى شك وترقب مستمرين، ومن المهم جداً أن يفهم الرجل أن صمت المرأة أو صراحتها المطلقة ليست ناتجة عن ضعف، أو خوف من رد فعله، ولا حتى مجرد تعبير ساذج عن الحب، فالصراحة بالنسبة للمرأة الواضحة هي “عفة نفسية”، إنها محاولة واعية ومستميتة لحماية نفسها من الانزلاق إلى مستنقع الكذب، فالصدق هو جدار حمايتها الأخلاقي الذي يحميها من التحول من المنطقة البيضاء الناصعة إلى مناطق رمادية باهتة، ثم السقوط أخيراً في عتمة المناطق السوداء حيث يفقد الإنسان احترامه لذاته، والمرأة الصريحة تعف لسانها وفكرها عن تزييف الواقع لأنها تدرك أن الكذب يُنقص من قيمة صاحبه قبل أي شيء آخر.
وأصعب ما في العيش مع رجل مائع الكلمات، يلتف ويدور حول الحقيقة، هو أنه يمارس نوعاً من الضغط غير المباشر ليجر من حوله إلى دائرته، فالكذب مُعدٍ، ومجاراة الرجل الكذاب قد تدفع المرأة أحياناً دفاعاً عن النفس أو تماشياً مع الأجواء إلى تبني نفس الأسلوب، وهو ما ترفضه المرأة الحرة جملة وتفصيلاً، إن كره العيش مع شخص يغصبكِ، بسلوكه ولوعه، على أن تكوني في موقف دفاعي أو يضطركِ لتبرير بديهيات، هو شعور مشروع تماماً، فالعلاقة السوية يجب أن تكون مساحة للراحة والنقاء، لا ساحة تضطرين فيها لحراسة الحقيقة ضد التزييف العبثي، وإذا أراد هذا الرجل أن يستمر مع هذه المرأة الصريحة، وأن تدمجه في حياتها من جديد بعد أن شرخ جدار الأمان، فإن عليه أولاً أن يستوعب حجم الألم الإنساني الذي سببه لها، وأن يدرك أن الاستمرار يتطلب رحلة تعافٍ حقيقية وجادة تبدأ من داخله هو.
إن أولى خطوات العلاج لهذا الرجل تكمن في اعترافه الشجاع أمام نفسه وأمامها بأن كذبه ليس “ذكاءً” ولا “اختصاراً للمشاكل”، بل هو ضعف وخوف غير مبرر، وعليه أن يتدرب تدريجياً على مواجهة الحقيقة مهما كانت صغيرة، وأن يقاوم تلك الرغبة التلقائية في التزييف لمجرد التهرب من سؤال عادي، فالعلاج هنا يتطلب فتح حوار علاجي هادئ وإنساني، يبدأ باختيار توقيت خالٍ من الضغوط اليومية، لتجلس معه وتخبره بوضوح ونبرة حازمة لكن غير هجومية، أن الكذب يدمر رغبتها في البقاء معه، وأنها تحتاج لسماع الحقيقة المجردة لكي تستطيع دمج وجوده في حياتها مجدداً، حيث يستمع لأثر كذبه على نفسيتها دون أن يتحول لموقف الدفاع عن النفس، بل يظهر ندماً حقيقياً ورغبة في التغيير، وهنا يأتي دور المرأة الصريحة في مساعدته، ليس بالتغاضي عن كذبه, بل بتهيئة مساحة آمنة وخالية من الأحكام القاسية واللوم المستمر عندما يقرر فجأة أن ينطق بالحق، فعندما يرى أن قوله للصدق حتى في الأمور المزعجة يمر بسلام واحترام، سيتعلم عقله الباطن أن الحقيقة هي النجاة الفعلية والراحة الحقيقية التي كان يبحث عنها في الأوهام.
وحتى تكتمل هذه المسيرة دون أن تستهلك المرأة الواضحة طاقتها، يصبح لزاماً عليها حماية سلامها النفسي والذاتي أولاً كأولوية قصوى، وذلك عبر وضع حدود نفسية صارمة تفصل بين أفعاله وبين تقديرها لذاتها، فلا تسمح لكذبه بأن يشككها في ذكائها أو يجرها إلى دوامة التحقيق والتفتيش المرهقة، بل تعلن موقفها بوضوح ثم تبتعد وتلتفت لاهتماماتها وحياتها الخاصة، تاركة له مسؤولية إصلاح خطئه دون أن تحرق أعصابها في مراقبته، ومع هذا التوازن بين فتح باب الحوار العاقل وبين صون السلام الداخلي من التلوث، يمكن للعلاقة أن تعود لمنطقتها البيضاء الناصعة، حيث يعود الصدق سياجاً يحمي قلوبهما من عتمة الخداع، وتسترد المرأة الصريحة كرامة وضوحها دون قهر أو لوع.

كتب بواسطة

الدكتورة ليندا سليم هي كاتبة صحفية وباحثة حاصلة على درجة الدكتوراه، وتُعرف بمقالاتها وآرائها الإعلامية المنشورة في منصات مثل تايم نيوز أوروبا بالعربي وموقع التعليم اليوم, حيث تناقش قضايا التعليم، وأبناء المصريين في الخارج، والشؤون الاجتماعية والثقافية.

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *