القائمة

«كيف بنى الإسلام مجتمعًا آمنًا؟»

Linda Seleem شهرين مضت 0 5.1 ألف

بقلم د.أسامة احمد زارع

منذ اللحظة الأولى، لم يتعامل الإسلام مع الجريمة باعتبارها فعلًا يُعاقَب عليه بعد وقوعه فقط، بل تعامل معها باعتبارها نتيجة لمسارات نفسية وسلوكية يمكن إيقافها قبل أن تبدأ. ومن هنا تتجلى عظمة المنهج الإسلامي الذي لم يكتفِ بمواجهة الجريمة بعد حدوثها، بل سعى إلى تجفيف منابعها من جذورها الأولى داخل النفس الإنسانية.
وفي هذا السياق جاءت الوصية النبوية الحاسمة: «لا تغضب»، ثم كررها النبي ﷺ ثلاث مرات: «لا تغضب، لا تغضب، لا تغضب»، في دلالة بالغة على أن لحظة الغضب غير المنضبط قد تكون بداية انهيار سلوكي كامل، وقد تفضي إلى فعل لا يمكن تداركه.
ولذلك دعا الإسلام إلى تهذيب النفس، وكظم الغيظ، والتسامح، فقال تعالى: ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس﴾، فالعفو هنا ليس ضعفًا، بل قوة أخلاقية تعيد ضبط التوازن داخل المجتمع، وتمنع تصاعد دوائر العنف والانتقام.
ولم يقتصر الأمر على منع الاعتداء، بل امتد ليشمل كل ما من شأنه بثّ الخوف أو التهديد بين الناس، فقال النبي ﷺ: «لا يُشير أحدكم إلى أخيه بحديدة»، في تأكيد واضح على أن الأمن لا يبدأ بالعقوبة، بل يبدأ من منع الترويع في جذره الأول.
كما رسخ الإسلام مبدأ الأخوة الإنسانية والإيمانية بقوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾، بما يعزز التماسك المجتمعي، ويحدّ من النزاعات التي تنشأ حين يضعف الشعور بالرحمة والانتماء.
إن بناء الإنسان في المنظور الإسلامي يقوم على ضبط النفس، واحترام الآخرين، وتقديم الوعي على الانفعال، وهي القيم التي تمثل الأساس الحقيقي لأي مجتمع آمن ومستقر.
وفي زمن تتسارع فيه الضغوط، وتزداد فيه التحديات الاجتماعية والسلوكية، تصبح المعركة الحقيقية ليست فقط مع الجريمة، بل مع لحظتها الأولى داخل النفس: لحظة الغضب غير المحسوب.
إن كثيرًا من الأفعال التي تهز استقرار المجتمعات لا تحتاج إلى مزيد من الانفعال بقدر ما تحتاج إلى مزيد من الوعي، لأن أخطر ما يسبق الجريمة ليس الفعل نفسه، بل الشرارة الأولى التي يولدها الغضب.
وهكذا، لم يكن الأمن في الإسلام مجرد منظومة قوانين تُطبّق، بل منظومة متكاملة تبدأ من الداخل: من تهذيب النفس، وضبط الغضب، وتربية الضمير.
فحين ينتصر الإنسان على غضبه، ينتصر المجتمع على الفوضى، وحين تتحول قيم التسامح وضبط النفس إلى أسلوب حياة يومي، يصبح الأمن ثقافة راسخة لا مجرد قوانين تُطبق.
وهنا تتجلى رسالة الإسلام منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا:
احمِ نفسك من الغضب… تحمِ مجتمعك من الجريمة.
فالرسالة الأعمق تبقى واضحة:
حين يُهزم الغضب أمام الوعي، تُغلق أبواب الجريمة قبل أن تُفتح، ويولد مجتمع أكثر أمنًا واتزانًا وإنسانية.
وفي السياق ذاته، يبرز دور الإعلام بوصفه شريكًا رئيسيًا في بناء الوعي الإنساني، لا مجرد ناقل للأحداث. فالإعلام حين يُدار بمسؤولية، يمكنه أن يساهم في تهذيب السلوك العام، ونشر ثقافة ضبط النفس، وإعادة توجيه الانتباه نحو قيم البناء لا الهدم، ونحو الحوار لا الصدام.
فالمجتمعات لا تُبنى بالقوانين وحدها، بل تُبنى أيضًا بالخطاب الإعلامي الواعي الذي يصنع الإنسان قبل أن يصنع الحدث، ويعيد تشكيل الوعي الجمعي على أسس من الاتزان والرحمة والمسؤولية.
وهنا يلتقي المنظور الإعلامي مع الرؤية الإسلامية في هدف واحد: بناء إنسان قادر على ضبط ذاته، واعٍ بتصرفاته، ومسؤول عن أثره في المجتمع.

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *