بقلم د.أسامة احمد زارع
حين يصبح الحوار طريقًا إلى الوعي
«أنا مختلف عنك… لكنني لا أحتاج إلى إهانتك كي أثبت أنني مختلف.»
بين جيل يقول: «زمان كان…»، وجيل يرد: «الدنيا اتغيرت»، تقف واحدة من أهم القضايا التي نعيشها اليوم: الفجوة بين الأجيال.
جيل تربى على احترام الكبير والاستماع إلى أصحاب الخبرة، وجيل نشأ في عالم سريع، مفتوح، يحمل المعلومة في هاتفه، ويؤمن بحقه في السؤال والنقاش والتعبير.
فهل أصبح الشباب أقل احترامًا؟
أم أن مفهوم الاحترام نفسه تغير؟
الحقيقة أن الاختلاف لا يعني قلة الأدب، والاحترام لا يعني إلغاء العقل.
يمكنني أن أختلف معك، وأن أرفض فكرتك، وأن أقول «لا»… دون أن أسيء إليك.
وفي المقابل، لا ينبغي أن يتحول حق الشباب في التعبير إلى سخرية من الكبار أو التقليل من تجاربهم؛ فامتلاك المعلومة لا يعني امتلاك الخبرة، وسرعة الوصول إلى المعرفة لا تختصر سنوات الحياة.
الكبار لديهم الخبرة… والشباب لديهم الطاقة والأفكار الجديدة. فلماذا لا يلتقي الاثنان؟
إلى الكبار…
لا تطلبوا من الشباب أن يكونوا نسخة منكم.
اقتربوا منهم، اسمعوا أسئلتهم، وافهموا عالمهم قبل أن تحكموا عليه.
ليس مطلوبًا أن توافقوهم دائمًا، وإنما أن تمنحوهم مساحة للحوار.
وإلى الشباب…
اختلافك مع الأكبر منك لا يلغي فضله، وحداثتك لا تحتاج إلى السخرية من الماضي حتى تثبت نفسها.
احترم من سبقك، واختلف معه إن شئت، ولكن اجعل اختلافك دليلًا على وعيك لا سببًا في الإساءة إليه.
كن حرًا… ولكن كن مسؤولًا.
عبّر عن رأيك… ولكن لا تهدر حق الآخرين.
اختلف… ولكن لا تكره.
ان بناء الإنسان والوعي الوطني جزءًا أساسيًا من مسيرة الجمهورية الجديدة؛ إنسان يعرف حقوقه وواجباته، يؤمن بوطنه، يحترم القانون، ويستطيع أن يختلف دون أن يتحول اختلافه إلى صراع.
وفي ظل ما تشهده مصر من جهود لبناء دولة حديثة، فإن مسؤوليتنا جميعًا ــ كبارًا وشبابًا ــ أن نكون جزءًا من هذا البناء، وأن ندعم وطننا وقيادته، من خلال العمل والوعي وتحمل المسؤولية، لا بمجرد الشعارات.
فالوطن يحتاج إلى شباب يحلمون ويعملون، وإلى أجيال تمتلك الخبرة وتنقلها، وإلى حوار يجمع الجميع بدلًا من أن يضعهم في معسكرات متقابلة.
والسؤال الحقيقي ليس:
من الجيل الأفضل؟
بل:
هل نستطيع أن نصنع جيلًا يأخذ من الماضي حكمته، ومن الحاضر أدواته، ومن المستقبل طموحه؟
ربما تكون الإجابة في كلمة واحدة:
الحوار.
حين نستبدل الحكم بالفهم، والاتهام بالسؤال، والسخرية بالاحترام، والصوت المرتفع بالإنصات…
نكتشف أن الفجوة بين الأجيال ليست جدارًا لا يمكن عبوره.
إنها فقط تحتاج إلى باب…
اسمه الحوار.
ومن هنا يبدأ الوعي.
ومن الوعي يبدأ بناء الإنسان.
ومن الإنسان الواعي… تُبنى الأوطان.
