القائمة

كبرتُ و اكتشفت أن أبي زرع داخلي حارسًا

Linda Seleem أسبوعين مضت 0 7.7 ألف


بقلم د. ليندا سليم
وأنا صغيرة، كنت أعتقد أنني وُلدت في الجانب الخطأ من الحياة.
ولدت بنتًا في مجتمع كانت فيه خطواتي محسوبة، وملابسي محسوبة، ومواعيد خروجي وعودتي محسوبة، وحتى أحلامي كانت تمر أحيانًا عبر بوابات طويلة من الموافقات والاعتراضات.
كنت أنظر إلى الأولاد حولي فأراهم يتحركون بحرية أكبر، يسافرون، يسهرون، يخرجون دون أسئلة كثيرة، بينما كنت أراقب العالم من خلف أسوار صنعها الخوف والحب معًا.
واعترف أنني في سنوات كثيرة تمنيت أن أنام فتاة وأصحو ولدًا.
ليس لأنني كنت أرفض نفسي، بل لأنني كنت أبحث عن الحرية.
وحين اقتربت من نهاية الثانوية العامة، قررت أن أبدأ معركتي الخاصة مع الواقع. طلبت من أهلي أن أعمل إلى جانب دراستي الجامعية. لم يكن الأمر سهلًا، لكنه كان بالنسبة لي أول باب أراه يؤدي إلى الحياة التي أحلم بها.
عملت، وسافرت، وتحملت المسؤولية مبكرًا.
بل إن عملي كان سببًا في تمويل كثير من خطواتي التعليمية والحياتية.
كنت أظن أن اليوم الذي سأبلغ فيه السن القانونية سيكون يوم الانطلاق الكبير، وأن القيود كلها ستسقط دفعة واحدة
لكن ما حدث كان أغرب بكثير
عندما أصبحت حرة قانونيًا، لم أندفع كما كنت أتخيل
بل بدأت أصنع لنفسي ضوابط لم يفرضها أحد
صرت أكثر ترويًا في قرارات السفر
وأكثر حذرًا في اختياراتي،توقفت عن طلاء الاظافر لانه يحجب الماء في الوضوع وعن احمر الشفاة لان اعلم ان ابي يكره التزين للأجانب والأغرب أن ملابسي أصبحت أكثر احتشامًا مما كانت عليه وأنا تحت رقابة الأسرة،حتى يوم عرسي في لحظة ضعف انساني كان فستاني جريئا وعندما رايت ابي ارتديت فوقه ما يجعله اكثر سترا من شدة خجلي.
حينها فقط فهمت شيئًا لم أفهمه وأنا صغيرة.
أن أبي لم يكن يربيني على الطاعة فقط.
بل كان يزرع داخلي رقيبًا أخلاقيًا يعيش معي حين يغيب.
كان يريد أن أتعلم كيف أصون نفسي عندما لا يراني أحد.
وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي تربية.
فالإنسان ليس ما يفعله تحت الرقابة، بل ما يفعله عندما تزول الرقابة كلها.
لهذا أجد نفسي اليوم أتأمل مشهدًا مختلفًا في المجتمع.
أرى بعض النساء يزداد حضورهن الإعلامي أو تزداد شهرتهن أو يمررن بتجربة انفصال أو طلاق، فإذا بنا نفاجأ بتحولات كبيرة في الشكل والخطاب والسلوك.
ملابس أكثر جرأة.
استعراض أكبر.
ومنافسة محمومة على جذب الانتباه.
حتى أصبح من الصعب أحيانًا التمييز بين الفن والاستعراض، وبين النجاح والضجيج.
ولا أتحدث هنا عن الحرية الشخصية، فلكل إنسان حق الاختيار.
لكن السؤال الأهم: لماذا أصبح كثيرون يربطون التحرر بكشف المزيد من الجسد؟
ولماذا أصبح بعض المشاهير كلما زادت شهرتهم شعروا بالحاجة إلى مزيد من الإثارة البصرية؟
هل لأن السوق الإعلامي يفرض ذلك؟
أم لأن الشهرة نفسها تحولت إلى سباق لا يتوقف، ومن يتوقف عن إثارة الانتباه يختفي سريعًا من المشهد؟
المفارقة أنني عشت التجربة في الاتجاه المعاكس.
كلما اتسعت أمامي مساحة الحرية، زادت قناعتي بأن القيمة ليست في كسر الحدود، بل في معرفة أي الحدود تستحق أن تبقى.
فالحرية ليست أن أفعل كل ما أستطيع فعله.
بل أن أختار ما يليق بي رغم قدرتي على فعل غيره.
ولعل أخطر ما يواجه مجتمعاتنا اليوم ليس نقص الحرية، بل سوء فهمها.
لأن الحرية التي لا يصاحبها وعي تتحول إلى فوضى.
والشهرة التي لا يصاحبها مضمون تتحول إلى استعراض.
والنجاح الذي لا يصاحبه احترام للذات يتحول إلى سباق مرهق لا نهاية له.
بعد سنوات طويلة أدركت أنني لم أكن أبحث عن الحرية من سلطة أبي.
كنت أبحث عن الحرية من خوفي.
وحين وجدتها، اكتشفت أن أجمل أنواع الحرية هي تلك التي تجعل الإنسان قادرًا على احترام نفسه حتى عندما لا يراقبه أحد.

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *