القائمة

“كاش باك الحج”

Linda Seleem أسبوعين مضت 0 7.4 ألف

أسئلة مشروعة، خصوصًا في زمن أصبحت فيه الأعباء المعيشية أثقل من أي وقت مضى،لكن هناك لحظات في حياة الإنسان يتراجع فيها الحساب المادي إلى الخلف، ويتقدم اليقين إلى المقدمة.

أتذكر جيدًا اليوم الذي قررت فيه أن أحج عن والدي رحمه الله،كان أبي قد أدى العمرة مرارا، لكنه رحل عن الدنيا قبل أن يحج،كان دائم الانشغال بنا، مؤجلًا أحلامه الخاصة لصالح أسرته وأبنائه، حتى باغته الرحيل قبل أن يقف على صعيد عرفات.

عندما اتخذت القرار، لم أجلس لأحسب التكلفة، ولم أسأل نفسي كيف سأدبر المبلغ، كان داخلي شعور واحد فقط: أن هذه الفريضة يجب أن تُؤدى عنه.

في تلك الأيام كانت ابنتي المولودة حديثا لها ظروفًا صحية  بسبب ثقب في القلب، وكنا نضع كل الاحتمالات أمامنا، بما فيها احتمالات الفحوصات والتدخلات الطبية المكلفة، وكانت الأساور والمشغولات الذهبية التي أملكها جزءًا من الأصول التي يمكن أن نلجأ إليها إذا احتجنا لأي إجراء طبي ومع ذلك، عندما عزمت على الحج، بعت تلك الأساور فورًا،لم اطلب من احدا ان يشاركني بمال لفريضة أبي كانت خطوتي وكنت لها ،ولذلك لم أشعر أنني أفرط في مال، بل شعرت أنني أضعه في مكانه الصحيح.

كنت مؤمنة أن الحج ينبغي أن يكون من مال حر، لا من قرض يثقل صاحبه، ولا من دين يربك قلبه، فذهب الذهب، وحل محله يقين لا أستطيع وصفه،حججت متمتعة، وكانت حجتي الثانية مختلفة تمامًا عن الأولى؛ أكثر هدوءًا، وأكثر تركيزًا، وأكثر فهمًا لمعاني الرحلة.

ومن أجمل ما حدث أن رفيقة الرحلة كانت تحج هي الأخرى عن والدها وكانت ظروفها المادية أصعب من ظروفي بكثير، حتى إنها اختارت حج الإفراد الذي لا يوجب الهدي، تخفيفًا للنفقات ومع ذلك، كانت كلما هممنا بشراء شيء أو دفع تكلفة بسيطة تسارع لتسبقني بالدفع،وأعترض فتصر،وأصر فتبتسم وتدفع،وتكرر الأمر مرات عديدة حتى بدأت أخفي عنها بعض نوايا الشراء كي لا تسبقني إليها،كان يحزنني أن أراها تنفق وهي صاحبة الظروف الأصعب، لكنها كانت ترى الأمر بمنظار مختلف تمامًا وخلال أحاديثنا الطويلة بين المشاعر والذكريات والمناسك، اكتشفت أنها كانت تعرف عني ما لا أعرف أنها تعرفه، كما عرفت أنا عن عفتها وكرمها ما لم تكن تتحدث عنه.

قالت لي جملة لا أنساها حتى اليوم:”فلوس الحج بترجع.”لم تكن تتحدث عن تجارة ولا استثمار، بل عن يقين،ثم ذكرت المعنى الوارد في حديث النبي ﷺ:”تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد.”

ورغم أن الحديث لم يكن حاضرًا في ذهني وقتها، فإنني أدركت بعد ذلك أن الفطرة المؤمنة أحيانًا تقود الإنسان إلى المعنى قبل أن يستحضر النص.

عدت من الحج، ولم أكن أحمل معي فقط ذكريات المناسك،عدت لأجد أن ثقب القلب الذي كنا نستعد لمواجهة تبعاته قد أغلق بفضل الله دون عملية،وعدت لأجد أبوابًا من الرزق لم تكن في الحسبان،وتبدلت أمور كثيرة في حياتنا،بل إن الله أبدلنا عملًا آخر قد يبدو أقل في المقابل المادي، لكنه أكثر بركة وراحة ورضًا، حتى شعرت أن ما خسرناه على الورق قد عاد إلينا أضعافًا في المعنى والطمأنينة والستر.

لهذا كلما سمعت أحدهم يقول: “نفسي أحج لكن الفلوس” أتذكر تلك الرحلة،لا أدعو أحدًا إلى تجاهل الأسباب أو إهمال الحسابات، فالدين نفسه يأمر بالأخذ بالأسباب،لكنني أقول إن هناك فارقًا بين من ينظر إلى النفقة باعتبارها خسارة، ومن ينظر إليها باعتبارها بذرة.

فبعض الأموال تخرج من اليد لتختفي وبعضها يخرج ليعود في صورة لا تخطر على البال.

وقد يكون أجمل “كاش باك” في الحياة ليس ما يعود إلى الحساب البنكي،بل ما يعود إلى القلب من سكينة، وإلى البيت من بركة، وإلى العمر من رضا.

مقال سابق ومكمل ؛

كاتب

كتب بواسطة

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *