د.ماجدة محمود … تكتب
في وقت تشهد فيه منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي تحولات متسارعة وتحديات متشابكة، جاءت القمة التي جمعت الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الإريتري إسياس أفورقي لتؤكد أهمية التنسيق بين دول المنطقة في مواجهة المتغيرات الراهنة، ولتعكس إدراكًا مشتركًا بأن أمن البحر الأحمر لم يعد مجرد قضية جغرافية أو ملاحية، بل أصبح أحد الملفات الأكثر تأثيرًا في معادلات الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.
ولم يكن توقيت القمة عاديًا، إذ تتزامن مع استمرار الأزمة السودانية، وتصاعد التنافس على الموانئ والممرات البحرية، وتزايد الاهتمام الدولي بمنطقة القرن الأفريقي باعتبارها إحدى أكثر المناطق الاستراتيجية أهمية في العالم. وفي ظل هذه التطورات، برزت القمة المصرية الإريترية كرسالة سياسية واضحة تؤكد أن دول المنطقة قادرة على الحوار والتنسيق لحماية مصالحها وصياغة رؤيتها الخاصة تجاه مستقبلها.
وقد عكست المباحثات حرص القاهرة وأسمرة على مواصلة التشاور بشأن القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن استقرار المنطقة لا يتحقق إلا من خلال التعاون واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، والعمل على معالجة الأزمات بالحوار والتفاهم، بعيدًا عن سياسات الاستقطاب أو فرض الأمر الواقع.
وتكتسب مصر أهمية خاصة في معادلة أمن البحر الأحمر، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي الفريد، وإنما أيضًا بحكم مسؤوليتها عن أحد أهم الممرات الملاحية في العالم، قناة السويس، التي تمثل شريانًا رئيسيًا للتجارة الدولية. ولذلك فإن أي اضطراب في البحر الأحمر ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد العالمي وحركة التجارة وسلاسل الإمداد، ما يجعل من الاستقرار في هذه المنطقة قضية تتجاوز حدود الدول المطلة عليها.
ومن هنا، تبدو التحركات المصرية تجاه دول القرن الأفريقي جزءًا من رؤية استراتيجية أشمل تستهدف تعزيز الأمن والاستقرار، وترسيخ مبادئ التعاون الإقليمي، ودعم فرص التنمية باعتبارها الركيزة الأساسية لتحقيق السلام المستدام. كما تعكس هذه التحركات إدراكًا متزايدًا بأن التحديات الحالية أصبحت مترابطة بصورة تجعل التعامل معها بشكل منفرد أمرًا بالغ الصعوبة.
كما حملت القمة رسالة مهمة مفادها أن أمن البحر الأحمر يجب أن يظل مسؤولية أساسية للدول المشاطئة له، وأن الحفاظ على استقرار هذا الممر الحيوي يتطلب تنسيقًا مستمرًا بين دول المنطقة، بما يضمن حماية مصالح شعوبها ويعزز قدرتها على مواجهة التحديات المشتركة.
ويرى مراقبون أن القمة تعكس استمرار الحضور المصري الفاعل في ملفات المنطقة، خاصة في ظل ما تشهده الساحة الإقليمية من تغيرات متلاحقة تستدعي تعزيز التشاور وبناء التفاهمات المشتركة. فالقاهرة تواصل التحرك وفق رؤية تقوم على دعم الدولة الوطنية والحفاظ على مؤسساتها، باعتبار أن استقرار الدول هو الضمانة الحقيقية لاستقرار الإقليم بأكمله.
وفي هذا السياق، لا تبدو القمة المصرية الإريترية مجرد لقاء ثنائي عابر، بل محطة سياسية تحمل أبعادًا استراتيجية تتجاوز العلاقات بين البلدين إلى مجمل التوازنات الإقليمية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وهي رسالة تؤكد أن الحوار والتنسيق والشراكة تظل الأدوات الأكثر فاعلية في مواجهة التحديات وبناء مستقبل أكثر استقرارًا للمنطقة.
ختامًا، تؤكد قمة السيسي وأفورقي أن أمن البحر الأحمر بات أولوية استراتيجية لا تنفصل عن أمن واستقرار المنطقة بأسرها، وأن التنسيق بين دوله أصبح ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة. وفي ظل هذه المعطيات، تواصل مصر أداء دورها المحوري في دعم الاستقرار الإقليمي وتعزيز التوازنات التي تسهم في حماية المصالح المشتركة لشعوب المنطقة وصون أمن أحد أهم الممرات الاستراتيجية فى العالم
magy-news@hotmail.com
