القائمة

قصة قصيرة | وجوه لا تموت

غرفة الأخبار 3 أسابيع مضت 0 6.8 ألف

مرتين خلال أسابيع قليلة، شعرت ” رانيا السيوفي ” بأن شيئًا غامضًا يُطاردها من الماضي . . لم يكُن الأمر مجرد صُدفة عابرة، بل إحساس ثقيل يتسلل إلى قلبها كلما جلست في صالة الانتظار داخل عيادة الدكتور ” مروان الديب “، جراح التجميل الشهير الذي يتردد اسمه في أوساط الأثرياء والفنانات بوصفه رجل المُعجزات.

في المرة الأولى، لم تنتبه سوى إلى التشابُه الغريب بين إحدى المريضات وفتاة تعرفها جيدًا. أما في المرة الثانية، فقد تجمد الدم في عروقها. الوجه ذاته… العينان الواسعتان… الانحناءة الدقيقة للشفتين… حتى طريقة رفع الرأس كانت نسخة طبق الأصل من ” منى الحسيني “، المرأة التي ماتت قبل أحد عشر عامًا في قضية هزت الرأي العام.

كانت ” رانيا ” يومها تعمل مُساعدة لوكيل النائب العام، وقد شاركت بنفسها في التحقيقات التي انتهت بإدانة زوج ” منى ” بتُهمة قتلها.

أغلقت القضية، وطُويت الأوراق، ونُسي الاسم مع مرور الزمن، لكن الوجه عاد فجأة من الموت، يتكرر أمامها بصورة تكاد تكون مُرعبة. في تلك الليلة، لم تستطع النوم. ظلت صورة ” منى ” مُعلقة في ذاكرتها كما كانت آخر مرة: شابة جميلة بعينين حزينتين، تقف داخل قاعة المحكمة كأنها تعرف مُسبقًا أن العدالة لن تنقذها.

حاولت ” رانيا ” أن تُقنع نفسها بأنها تُبالغ، لكن الشك بدأ يكبر داخلها كجرح قديم فُتح من جديد. وعندما حاولت إعادة الحديث عن القضية، لم تجد سوى الوجوه الباردة. رئيسها طلب منها أن تُركز في عملها الحالي، وطليقها سخر من هواجسها، أما ” أحمد راضي “، صديقها القديم الذي أصبح نائبًا معروفًا في البرلمان، فقد تهرب من أسئلتها بطريقة أثارت خوفها أكثر مما طمأنتها.

في الأيام التالية بدأت تشعر بأنها مُراقبة. سيارة سوداء تتوقف قُرب منزلها لوقت طويل . . مُكالمات صامتة في مُنتصف الليل . . وخطوات مجهولة خلفها كلما عادت متأخرة من المحكمة. كانت تحاول أن تبدو قوية أمام ابنتها الصغيرة ” ريم “، لكنها في الداخل كانت تتآكل ببطء.

وفي عصر يوم خانق من أيام الصيف، جلست ” رانيا ” في صالة الانتظار داخل عيادة الدكتور ” مروان ” من جديد. كانت ” ريم ” في الداخل لإزالة آثار جرح أصاب وجهها بعد حادث سيارة تعرضت له مع والدها قبل أسبوع.

مررت ” رانيا ” أصابعها بين خصلات شعرها المرهق وهي تتأمل المكان الفخم بإضاءته الخافتة وأرائكِه الوثيرة ورائحة العطور الباردة التي تخفي رائحة الخوف . . كانت هناك امرأة تضع ضمادة على أنفها، وأخرى تهمس لصديقتها بقلق عن العملية القادمة. أما ” رانيا ” ، فكانت تنظر إلى صورة مُعلقة على الجدار المُقابل. صورة لامرأة تبتسم.

شعرت بقلبها يخفق بشدة وكاد أن يتوقف للحظة. لم تكن مجرد امرأة تشبه ” منى “… بل كانت منى نفسها. نهضت ببطء واقتربت من الصورة، كأن قوة خفية تسحبها نحوها. عند أسفل الإطار المعدني كان هناك تاريخ قديم، يعود إلى ما قبل مقتل ” منى ” بعامين، وتوقيع صغير باسم الدكتور ” مروان الديب “.

في تلك اللحظة فقط أدركت ” رانيا ” الحقيقة المرعبة: ” منى ” لم تكن مجرد ضحية مرت على حياة الطبيب صدفة… بل كانت جُزءًا من شيء أكبر بكثير. وفجأة سمعت صوتًا هادئًا خلفها يقول: ـ أحيانًا يكون دفن الماضي أكثر أمانًا من البحث عنه. التفتت بسرعة، فرأت الدكتور مروان يقف مبتسمًا بعينيه الباردتين.

وعندما عادت بنظرها نحو الصورة، كانت قد اختفت.

جميع حقوق الملكية الفكرية والأدبية الخاصة بهذه القصة محفوظة للكاتب/سعيد السبكي، وتخضع للحماية بموجب قوانين حقوق النشر والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.

يُمنع منعًا باتًا إعادة نشر أو نسخ أو اقتباس أو ترجمة أو تحويل أي جزء من هذا العمل إلى أي وسيلة مطبوعة أو رقمية أو سمعية أو بصرية، كليًا أو جزئيًا، دون الحصول على إذن كتابي مُسبق من المؤلف، باستثناء الاقتباسات القصيرة المستخدمة لأغراض النقد أو المُراجعة مع الإشارة إلى المصدر.

كما يحتفظ المؤلف بكامل الحقوق المتعلقة بالمعالجة الدرامية والسينمائية والتلفزيونية والإذاعية والرقمية للقصة.

كاتب

  • تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

كتب بواسطة

تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *