القائمة

قصة قصيرة | لا ضوضاء فى المدينة

غرفة الأخبار 3 أشهر مضت 0 3 ألف

حُلم المهندس سامح لم يكن كبيرًا.

فبعد سنوات طويلة من العمل في هولندا لم يكن يريد ثروة ولا بيتًا فخمًا، بل شيئًا أبسط بكثير: أن يعود إلى مصر ويعيش حياة هادئة.

بيت صغير.

شرفة تطل على شجرة.

فنجان قهوة في الصباح يسمع معه زقزقة عصفور… عصفور واحد فقط.

في المدينة الهولندية التي عاش فيها كان الصمت جزءًا من النظام العام.

القطارات تصل في موعدها كأنها ساعات دقيقة، والدراجات تمر بجانبك بلا صوت تقريبًا، وحتى الجيران يعتذرون إذا أغلقوا الباب بقوة.

كان سامح يحتفظ بمفكرة جلدية صغيرة يسجل فيها ملاحظاته عن الحياة هناك.

كتب على الغلاف ذات يوم:

“ملاحظات عن جودة الحياة.”

وفي إحدى الأمسيات الشتوية جلس مع صديقه طارق في مقهى صغير قرب محطة القطار. كان المطر الهولندي ينقر زجاج المقهى في إيقاع رتيب.

قال طارق وهو يقلب فنجان القهوة:

–  هل سمعت عن “مدينتي”؟

رفع سامح عينيه.

– سمعت عنها وقرأت بعض الأشياء ورأيت من وقت لآخر بعض الاعلانات الترويجية على شاشات التلفزيون… لكن حقيقة لم أزرها.

ابتسم طارق بحماس:

– لازم تشوفها. مدينة حديثة، نظيفة، منظمة. شوارع واسعة وأمن ممتاز… تحس إنك لسه في أوروبا.

ظل طارق يصف المدينة كأنه يبيع حلمًا: حدائق مرتبة، مبانٍ متناسقة، هدوء، ونظام.

قال في النهاية:

لو رجعت مصر… ده المكان المناسب للعيش.

علق الكلام في ذهن سامح أيامًا طويلة.

وعندما سافر إلى مصر في إجازته الصيفية قرر أن يرى المكان بنفسه.

استأجر شقة مفروشة في المدينة الجديدة.

تجول بين الشوارع الواسعة.

الأرصفة نظيفة.

السيارات تسير بهدوء.

الحراس يقفون عند المداخل بملابس أنيقة.

كل شيء كان جميلًا… ومنظمًا… وهادئًا.

لكن بعد يومين بدأ يشعر بشيء غريب.

في المساء جلس في شرفته ينظر إلى الطريق الهادئ.

لم يسمع بائعًا ينادي.

لم يسمع ضحكة أطفال في الشارع.

لم يسمع حتى جدال جيران.

فكر قليلًا ثم همس لنفسه:

“جميلة… لكنها ليست حياتي.”

فهو ابن حي شعبي قديم.

كبر على صوت الباعة المتجولين، وعلى رائحة الخبز الساخن، وعلى الضحكات التي تتسرب من النوافذ مساءً.

كانت الأماكن فوضويًة… لكنها حية.

وعندما قرر العودة نهائيًا إلى مصر، اتخذ قراره.

لن يعيش في مدينة صامتة.

سيعود إلى حي يشبه ذاكرته.

استأجر شقة صغيرة في شارع ضيق مزدحم.

في ليلة الزفاف وقفت زوجته تتأمل الشقة الجديدة.

كانت النجفة تلمع بلونها الذهبي، والأثاث الجديد يفوح برائحة الخشب.

قالت مبتسمة:

– الشقة جميلة… والحي بسيط.

ابتسم سامح بثقة وقال:

– البساطة أجمل ما في الحياة.

لكن عند منتصف الليل اكتشف أن البساطة في مصر كلمة واسعة المعنى.

أسفل البيت مباشرة كان هناك كوفي شوب جديد.

اسم المقهى مكتوب بالإنجليزية بحروف مُضيئة، كأن الشارع الضيق قرر فجأة أن يصبح شارعًا عالميًا.

أما مكبرات الصوت فكانت ضخمة لدرجة أن سامح تساءل إن كانت مخصصة لحفل موسيقي لا لمقهى صغير.

بدأت الموسيقى بعد منتصف الليل.

إيقاع صاخب ارتفع شيئًا فشيئًا حتى اهتزت معه النجفة فوق رأسه.

نظر إلى زوجته وقال محاولًا الابتسام:

– يمكن حفلة افتتاح… بكرة يهدوا.

لكنهم لم يهدؤوا.

في الصباح نزل سامح إلى المقهى.

قال لصاحب المكان بهدوء:

– يا أستاذ… الصوت عالي جدًا. إحنا ساكنين فوق.

ابتسم الرجل بثقة وقال:

– يا باشمهندس… مفيش ضوضاء في المدينة.

ثم أضاف جملة قصيرة فهم سامح منها كل شيء:

– وبعدين الحي عارفنا كويس.

عاد سامح إلى الشقة وهو يشعر أن الشكوى هنا تشبه إرسال رسالة إلى عنوان غير موجود.

لكن الأيام التالية كشفت له أن الكوفي شوب لم يكن سوى الطبقة الأولى من الضجيج.

في المساء يبدأ الشارع حفله اليومي.

توكتوك يمر وهو يبث مهرجانًا صاخبًا كأنه محطة إذاعية مُتنقلة.

ميكروباص يضغط الكلاكس بلا سبب واضح.

سيارة معدلة تمر جيئة وذهابًا كأن صاحبها يختبر قدرة مكبرات الصوت على تحمّل الحياة.

أما الباعة فينادون على بضائعهم كأنهم يتنافسون في مسابقة للصوت الأعلى.

بعد أيام قالت زوجته محاولة التخفيف عنه:

– عادي… هتتعود.

نظر إليها بدهشة وقال:

– في هولندا كانوا بيعتذروا لو قفلوا الباب بصوت عالي.

في صباح أحد الأيام خرج سامح يتمشى مبكرًا.

كان الوقت بين الفجر والصباح، اللحظة الوحيدة التي بدا فيها الحي شبه هادئ.

جلس على مقعد خشبي صغير أمام مخبز في آخر الشارع.

رائحة الخبز الساخن كانت تملأ المكان.

اقترب منه رجل عجوز يحمل كيس خبز وجلس بجانبه.

قال العجوز مبتسمًا:

– شكلك مش من هنا.

رد سامح:

– كنت ساكن هنا زمان… قبل ما أسافر.

هز الرجل رأسه وقال:

– واضح إنك راجع من بره.

سأله سامح بدهشة:

– عرفت منين؟

ضحك العجوز وقال:

– من طريقة قعدتك.

ثم أشار إلى الشارع وقال:

– اللي بيعيش هنا ما بيدورش على الهدوء.

سكت لحظة ثم أضاف:

– الهدوء ده بتاع المقابر… مش بتاع المدن.

في تلك اللحظة بدأ الشارع يستيقظ.

مر توكتوك وهو يشغل موسيقى عالية.

فتح المخبز بابه وبدأ العمال ينادون على الزبائن.

وسيدة من شرفة قريبة تنادي طفلها بصوت مرتفع.

نهض العجوز وهو يحمل كيس الخبز وقال قبل أن يرحل:

– صدقني يا ابني…

لو الشارع سكت يوم كامل…

هنخاف.

تركه ومشى.

ظل سامح جالسًا ينظر إلى الشارع.

ولأول مرة خطر له أن الضجيج ربما ليس فوضى…

بل نوع من الطمأنينة.

بعد أسبوع من السهر الإجباري قرر أن يمنح نفسه هدنة.

قال لزوجته:

– نروح البحر كام يوم… نغير جو.

سافرا إلى مدينة ساحلية على البحر الأحمر.

حين وصلا وقف سامح على الشاطئ طويلًا.

كان البحر هادئًا… أزرق… واسعًا.

تنفس بعمق وقال:

– أخيرًا… الهدوء.

لكن بعد دقائق فقط بدأ صوت الموسيقى يرتفع من فندق قريب.

لوحات تعلن عن حفلة ليلية.

مكبرات الصوت تبث الأغنية نفسها مرارًا.

وعلى الشاطئ شاب يحمل سماعة ضخمة يبث أغنية صيفية بصوت يكفي لإيقاظ مدينة كاملة.

أما الكورنيش في المساء فتحول إلى عرض حي للسيارات المعدلة.

نظر سامح إلى البحر وقال ساخرًا:

– واضح إن البحر نفسه مش سامع نفسه.

ضحكت زوجته وربتت على يده.

ظل صامتًا لحظة… ثم بدأ يضحك هو أيضًا.

فجأة فهم شيئًا بسيطًا.

المشكلة لم تكن في الكوفي شوب.

ولا في التكاتك.

ولا في المدينة الساحلية.

المشكلة أنه كان يبحث عن الصمت في بلد يعتبر الصوت علامة حياة.

في تلك الليلة عاد إلى غرفته في الفندق.

فتح مفكرته القديمة التي كان يسجل فيها ملاحظاته عن المدن الهادئة.

كتب جملة قصيرة:

“لا ضوضاء في المدينة.”

ظل ينظر إليها لحظة… ثم شطبها.

وكتب تحتها:

“المدينة ليست صاخبة…

نحن فقط نتكلم بصوت عالٍ.”

أغلق المفكرة.

اقترب من الشرفة.

في الشارع كانت سيارة تمر وهي تبث موسيقى صاخبة، وتوكتوك يرد عليها بمهرجان أعلى.

وعلى الرصيف جلس ثلاثة شباب يضحكون بصوت مرتفع.

وقف سامح يراقب المشهد قليلًا.

وفجأة مر بائع فول بعربته وهو ينادي بصوت طويل:

– فول ساخن يا فول…

توقف سامح لحظة.

تذكر طفولته في الحي القديم.

النداء نفسه…

الصوت نفسه…

ورائحة الفجر نفسها.

أغلق الشرفة بهدوء.

وعاد إلى السرير.

وفي الخارج ظل البائع ينادي…

كأن المدينة كلها تستيقظ.

أما سامح فقد غفا أخيرًا… على صوتها.

وأمسك مفكرته مرة أخرى وكتب :

العودة إلى الوطن ليست دائمًا رحلة حنين خالصة.

أحيانًا تكون مواجهة هادئة بين ذاكرة قديمة وواقع تغيّر كثيرًا.

فالمكان الذي نغادره يظل ثابتًا في ذاكرتنا، بينما يتغير في الحقيقة دون أن نشعر.

فقد عُدت بعد سنوات طويلة في أوروبا أبحث عن حياة بسيطة وهادئة، لكن المدن التي ترتكها خلفي لم تعد كما تذكرتها… وربما أنا نفسي لم أعد كما كُنت.

كاتب

  • تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

كتب بواسطة

تعمل أسرة تحرير شبكة تايم نيوز أوروبا بالعربي بفريق عمل يسعى جاهداً على مدار 24 ساعة طوال الأسبوع لنشر أخبار عربية وعالمية، ترصد أخبار الوطن العربية لعرب المهجر وتضعهم في بؤرة اهتماماتها الأولى

اترك تعليق

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *