تايم نيوز اوروبا بالعربي|
في كل مرة تتحول فيها واقعة بسيطة إلى قضية رأي عام، لا يكون السؤال الحقيقي متعلقًا بالفعل نفسه بقدر ما يتعلق بالطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى الخطأ.
فالخطأ في جوهره جزء من الطبيعة البشرية، لكن المجتمعات تختلف في تفسيره والتعامل معه، هناك مجتمعات ترى أن القانون أداة لضبط السلوك وإصلاح الخلل، بينما تتعامل مجتمعات أخرى مع القانون بوصفه أداة لإظهار القوة وإثبات الهيبة، حتى في المواقف التي لا تشكل خطرًا حقيقيًا على النظام العام.
ومن هنا يمكن قراءة الجدل الذي أثارته واقعة مصففة الشعر التي سارعت إلى تجهيز عروس قبل زفافها في ظروف استثنائية وضغط زمني شديد، فبعيدًا عن تفاصيل الواقعة ذاتها، فإن الحدث يطرح سؤالًا أكثر أهمية: متى يتحول التنظيم إلى عقاب؟ ومتى تتحول العقوبة من وسيلة لتحقيق العدالة إلى رسالة استعراضية موجهة للمجتمع؟
سيميولوجيًا، لا تقف العقوبة عند حدود النص القانوني، بل تحمل دائمًا دلالات رمزية،فحين يرى الناس إجراءً صارمًا تجاه مخالفة محدودة الأثر، فإن الرسالة التي تصل إليهم لا تتعلق بالمخالفة نفسها، بل تتعلق بصورة السلطة وحدود المرونة داخل المجتمع وهنا النتيجة القطعية حيث ينشأ التوتر بين “الخوف من العقاب” و”الاحترام الواعي للقانون”.
فالقانون في صورته الناضجة لا يقاس بعدد العقوبات التي يوقعها، بل بقدرته على تحقيق التوازن بين الردع والإنصاف معا، لذلك فإن فلسفة التشريع الحديثة في كثير من الدول المتقدمة تقوم على مبدأ التناسب؛ أي أن حجم الإجراء يجب أن يعكس حجم الضرر الحقيقي، وأن يكون الهدف هو إعادة الأمور إلى مسارها الصحيح لا صناعة مشهد عقابي يلفت الانتباه.
وفي هذا السياق، تبدو بعض المجتمعات أكثر ميلًا إلى ما يمكن تسميته “العدالة الإصلاحية”، حيث يُنظر إلى المخالفة البسيطة باعتبارها فرصة للتوجيه والتنظيم،أما المجتمعات التي تميل إلى تضخيم رد الفعل، فإنها غالبًا ما تنتج حالة من القلق الاجتماعي تجعل الأفراد يخشون الوقوع في الخطأ أكثر من حرصهم على فهم القانون واحترامه.
المفارقة هنا مؤكدة أن هيبة القانون لا تزداد كلما ازدادت القسوة، بل تزداد كلما شعر الناس بعدالته، فالقانون الذي يطمئن المواطن إلى أن العقوبة ستكون عادلة ومتوازنة هو قانون يحظى بإحترام حقيقي، بينما القانون الذي يُخشى منه فقط قد يفرض الطاعة المؤقتة لكنه لا يصنع الثقة.
ولعل الطرح الأهم لا علاقة به نحو آلية ماذا سيحدث إن وقعت الحادثة في هولندا او أي دولة أخرى؟بل وبشكل مباشر وموجه ؛هل نريد قانونًا يصطاد الأخطاء الصغيرة أم قانونًا يميز بين من أخطأ تحت ضغط ظرف عابر وبين من يتعمد الإضرار بالمجتمع؟
فالعدالة ليست أن تكون العقوبة ممكنة، بل أن تكون ضرورية ومتناسبة وإنسانية، اي” ردع ولين” وعندما ينجح المجتمع في تحقيق هذه المعادلة، يصبح القانون حارسًا للإستقرار لا مصدرًا للخوف، وتصبح هيبته نابعة من عدالته لا من شدته.
