د.ليندا سليم تكتب|
لم يكن الخطاب الإلهي في قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ دعوةً مفتوحة بلا قيد، ولا توجيهًا عابرًا يُقال في كل حال،فقد خصّ الله سبحانه “المؤمنين” بانتفاعهم بالتذكير، لا بوصفٍ شكليٍّ أو انتماءٍ اسمي، بل بحالةٍ من صفاء القلب واستعداد العقل لتلقّي الحق،فجوهر الرسالات السماوية، من التوراة إلى الإنجيل إلى القرآن، قائم على التوحيد والإيمان بالله، وإن نال بعض الشرائع ما نالها من تحريف، ظلّ الأصل ثابتًا: أن الهداية لا تُفرض بل تُستقبل.
ومن هذا المعنى العميق، تتحدد طبيعة “التذكير” ذاته؛ فهو ليس معركة استنزاف، ولا سعيًا قهريًا لتغيير الآخرين، بل مسؤولية بحدود. لكن الواقع تغيّر، وانتقلنا دون وعي من مرحلة النصح والتذكير، إلى مرحلة الحذر والابتعاد،ولم يعد التحدي في الخطأ فقط، بل في أن يُسحب الإنسان إليه سحبًا، تحت ضغوط المجاملة أو التماهي أو حتى بدعوى التفهّم. وهنا يتجلّى المعنى النبوي في الهدي الشريف و إن لم تستطع أن تغيّر المنكر، فلا تكن جزءًا منه، ولا تذُب فيه حتى تفقد وضوحك، فالانسحاب أحيانًا ليس ضعفًا، بل وعيٌ بالحدود ونجاة من الانزلاق.
غير أن ما هو أخطر من الخطأ نفسه، هو استنزاف النفس في محاولة إصلاح من لا يريد أن يُصلح، فحين تتحول النصيحة إلى عبء حيث يُقابل الصدق بالاتهام، والحرص بوصفٍ من التشدد أو التطرف، يدرك الإنسان أنه يقف في معركة غير متكافئة وفي زمنٍ باتت فيه الحقائق محل جدل، وأصبح فيه اليقين عبئًا على البعض، لم يعد الجميع مستعدًا لسماع ما يوقظه، بل ربما يهاجم من يذكّره، فقط لأنه يذكّره.
وهنا يصبح لزامًا إعادة ترتيب الأولويات ليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل من يُنصح يستجيب، وليس كل طريق يجب أن يُستكمل حتى النهاية. أحيانًا، يكون الانصراف عن متابعة أحوال الآخرين رحمة بالنفس، لا تخليًا عنهم. فالقلب الذي يُستهلك في كل اتجاه، لن يبقى فيه متسع لطمأنينة، ولا قدرة على الاستمرار حتى الجسد يصرخ من فرط الإجهاد، توترٌ يتراكم، واستنزافٌ صامت، وكأنك تحمل همّ الجميع وحدك، بينما الحياة تمضي كما هي، لا تتوقف لتخفف عنك هذا الحمل.
إنك لست مسؤولًا عن هداية القلوب، بل عن صدق النية في المحاولة. ولست مطالبًا بأن تُقنع الجميع، بل أن تظل ثابتًا على ما تعلم أنه الحق، أما من اختار أن يغلق قلبه، فذلك شأنه، لا تقصير منك، ولا هزيمة لك.
لذلك اختر نفسك لا أنانية، بل اتزانًا. اختر سلامك الداخلي لا انسحابًا، بل وعيًا،و اختر أن تضع مسافة بينك وبين ما يؤذيك لا ضعفًا، بل قوة هادئة تعرف متى تتقدم ومتى تتراجع.
فالذِّكرى تنفع المؤمنين،وأما القلوب التي أغلقت أبوابها، فليس من العدل أن تُرهق نفسك على أعتابها.
