بقلم د.اسامة احمد زارع
حين تعود القدس من نافذة الذاكرة
من وحي رحلتي من غزة إلى المسجد الأقصى عام 2000
بعض المدن لا تحتاج إلى أن تناديك كي تسمعها…
يكفي أن تغمض عينيك، فتسمع أجراسها، وترى حجارتها القديمة، وتمشي في شوارعها قبل أن تخطو إليها من جديد.
هكذا كانت القدس.
مدينةٌ تبدو وكأنها لا تنتمي إلى زمن واحد؛ ففي شوارعها العتيقة يمشي الماضي إلى جوار الحاضر، وتتَعانق الحكايات فوق حجارتها، وتلتقي فيها وجوه جاءت من جهات الأرض كلها، مختلفة في اللغات والثقافات والديانات، لكنها تقف أمام المكان ذاته بدهشة الإنسان حين يلامس شيئًا أكبر منه.
في عام 2000، كان طفلٌ صغير يعبر الطريق مع أسرته.
لم يكن يعرف أن الرحلة التي بدأت في ذلك الصباح ستبقى مفتوحة في ذاكرته كل هذه السنوات.
كان يرى الطريق بعينين صغيرتين؛ يتأمل الوجوه، ويتابع المشاهد، ويسأل عن الأماكن، ويجمع من اليوم صورًا متفرقة، لا يعرف أنها ستصبح يومًا حكاية كاملة.
كان الطريق يأخذهم من غزة إلى القدس، التي بدت في عين الطفل واسعةً كالحلم.
الحرم الإبراهيمي… في الخليل
كنيسة المهد… في بيت لحم
ثم القدس حيث
كنيسة القيامة…
المسجد الاقصى…
وهناك، تبدلت ملامح الرحلة.
في شوارع القدس العتيقة، كان كل شيء يبدو وكأنه يتحدث؛ الحجر، والباب القديم، والدرج، والنوافذ، والوجوه، وحتى الصمت.
ومن بعيد كانت أجراس الكنائس تدق، وفي المكان ذاته كانت ترتفع أصوات الصلاة من المساجد، وكأن المدينة تقول للعابرين إن اختلاف الطرق إلى السماء لا يمنع البشر من أن يلتقوا على الأرض.
كان السياح يأتون من كل مكان.
لغات متعددة.
ثقافات مختلفة.
ملامح لا تشبه بعضها.
وأديان متعددة.
ومع ذلك، كان الجميع يمشي في الشوارع نفسها، ويتأمل الحجارة نفسها، ويتوقف أمام التاريخ نفسه.
وفي وسط هذا المشهد، كان هناك المسجد الأقصى.
ذلك الاسم الذي لا يبدو مجرد اسم لمكان، بل يحمل في داخله ذاكرة أجيال كاملة.
وحين تقع العين على ساحاته، تشعر أن الحكاية أكبر من قدرتك على وصفها.
وتظهر قبة الصخرة في المشهد كأنها علامة من نور، تستقر في ذاكرة من يراها للمرة الأولى، ثم لا تغادرها بسهولة.
ربما لهذا تذكرت الذاكرة صوت فيروز.
تلك التي جعلت من القدس أغنيةً تسافر بها المدينة إلى قلوب من لم يروها، وجعلت الحنين إليها لغةً يفهمها الجميع.
كانت فيروز تغني للقدس، وكانت الكلمات تختصر حلمًا كاملًا بالسلام.
وكأن المدينة نفسها كانت تقول:
سنعود… لا لنحمل خصومة، بل لنحمل سلامًا.
وكانت تلك الرحلة، في بساطتها، تحمل شيئًا من هذا المعنى.
لم تكن القدس يومها مجرد مكان يزوره الناس.
كانت مدينةً يعيش فيها التاريخ أمام أعينهم؛ كنائس ومساجد، أجراس وصلوات، زوار من الشرق والغرب، ووجوه مختلفة تتقاطع في الأزقة القديمة.
ثم مضى اليوم.
وعادت الأسرة من حيث جاءت.
لكن الرحلة لم تعد.
بقيت هناك…
في مكان ما بين الذاكرة والقلب.
مرت السنوات، وكبر الطفل، وتغيرت الحياة، وتبدلت الأشياء، لكن صورة القدس ظلت كما هي في زاوية بعيدة من الذاكرة.
وربما لهذا، حين نتذكر الماضي، لا نشتاق دائمًا إلى المكان وحده.
نشتاق إلى المشاعر التي عشناها فيه.
إلى ذلك الأمان الذي كان يحيط بالرحلة.
إلى طيبة اللحظة.
إلى وجود الأسرة معًا.
إلى الطريق الذي كان يبدو طويلًا، لكنه كان يحمل في نهايته دهشة الوصول.
وكم نتمنى أحيانًا أن يمنحنا الله فرصة أخرى…
أن نسلك الطريق نفسه.
أن نرى شوارع القدس العتيقة مرة أخرى.
أن نسمع أجراس الكنائس.
أن نمر بالحرم الإبراهيمي، وكنيسة المهد، وكنيسة القيامة.
أن نقف أمام قبة الصخرة.
وأن ندخل رحاب المسجد الأقصى بقلبٍ أكثر وعيًا مما كان عليه ذلك القلب الصغير قبل سنوات طويلة.
ربما تكون العودة هذه المرة مختلفة.
فالإنسان حين يعود إلى المكان بعد سنوات، لا يرى المكان وحده…
بل يرى كل السنوات التي مرت منذ غادره.
يرى الطفل الذي كانه.
ويرى الإنسان الذي أصبحه.
ويرى المسافة الطويلة بين الاثنين.
وربما يكتشف أن أجمل ما تركته الرحلة لم يكن صورة، ولا شارعًا، ولا حجرًا…
بل إحساسًا ظل حيًا رغم الغياب.
إحساسًا يقول إن القدس يمكن أن تكون أكثر من مدينة.
يمكن أن تكون ذاكرةً مشتركة.
وأن المسجد الأقصى يمكن أن يكون أكثر من مكان نزوره.
يمكن أن يكون وعدًا بالعودة.
وأن السلام، مهما بدا بعيدًا، يظل أمنيةً تستحق أن تُقال.
ولهذا، حين تعود القدس من نافذة الذاكرة، لا نريد أن نراها كما كانت فقط…
نريد أن نراها كما نتمنى أن تكون.
مدينةً مفتوحةً للزائرين.
آمنةً لأهلها.
مضيئةً بصلواتها.
تتعانق فيها أصوات المآذن وأجراس الكنائس، ويمشي في شوارعها العتيقة بشرٌ مختلفون في كل شيء، لكنهم متفقون على شيء واحد:
أن هذه المدينة تستحق الحياة.
وربما في آخر الطريق، حين تهدأ الأصوات، وتبقى القدس وحدها في المشهد، يعود صوت فيروز من بعيد…
وتعود معه أمنية بسيطة، لكنها أكبر من كل الكلمات:
أن تكون العودة إلى القدس يومًا… عودةً إلى السلام، عندما يأذن الله.
