بقلم د.شيرين طلعت
هناك أشخاص لا يحتاجون إلى عدو في حياتهم…لأنهم تحولوا مع الوقت إلى أشد أعداء أنفسهم.يحاسبون أنفسهم على كل خطأ، ويعيدون استرجاع المواقف القديمة مئات المرات، ويقفون أمام أخطائهم الصغيرة وكأنها جرائم لا تُغتفر.يبتسمون للناس، ويسامحون الآخرين، ويمنحون الجميع فرصًا جديدة…إلا أنفسهم.وهنا يبدأ ما يُعرف بجلد الذات.ذلك الصوت الداخلي القاسي الذي لا يتوقف عن التوبيخ واللوم والانتقاد.الصوت الذي يهمس لصاحبه كلما أخطأ:”أنت السبب.””كان يجب أن تكون أفضل.””لماذا فعلت ذلك؟””لو كنت أذكى لما حدث هذا.””الجميع نجح إلا أنت.”
ومع مرور الوقت، لا يصبح هذا الصوت مجرد فكرة عابرة، بل يتحول إلى أسلوب حياة.يستيقظ الإنسان وهو يشعر بالتقصير.وينام وهو يشعر بالذنب.ويعيش حياته وهو يعتقد أنه لا يستحق الرضا عن نفسه.لكن السؤال المهم:هل جلد الذات يُصلح الأخطاء فعلًا؟في الحقيقة، هناك فرق كبير بين مراجعة النفس وجلد الذات.مراجعة النفس تعني أن تعترف بالخطأ، وتفهم أسبابه، وتتعلم منه، ثم تكمل طريقك.
أما جلد الذات فيعني أن تبقى سجينًا للخطأ نفسه، تعاقب نفسك عليه مرة بعد مرة، حتى بعد أن انتهى كل شيء.الأول يساعدك على النمو.أما الثاني فيستنزف طاقتك ويمنعك من التقدم.كم من شخص ما زال يعاقب نفسه على قرار اتخذه قبل سنوات؟وكم من إنسان ما زال يشعر بالذنب بسبب علاقة فشلت رغم أنه بذل ما يستطيع؟وكم من شخص يرفض رؤية نجاحاته كلها لأنه يركز فقط على ما أخفق فيه؟المشكلة أن الإنسان أحيانًا يطلب من نفسه الكمال.والكمال ليس من صفات البشر.
كل إنسان يخطئ.كل إنسان يندم على بعض قراراته.كل إنسان لديه لحظات ضعف.وكل إنسان يتمنى أحيانًا لو عاد به الزمن ليغير بعض المواقف.لكن الحياة لا تُعاش إلى الخلف.لا أحد يستطيع تعديل الماضي.وكل دقيقة نقضيها في معاقبة أنفسنا على ما انتهى، هي دقيقة نفقدها من حاضرنا ومستقبلنا.التوقف عن جلد الذات لا يعني التهرب من المسؤولية.بل يعني التعامل مع النفس بعدل.أن تقول:”نعم، أخطأت.”لكن أيضًا:”تعلمت.””كبرت.””أصبحت أكثر وعيًا.””وأستحق فرصة جديدة.”
ومن أجمل صور التوقف عن جلد الذات:أن تتوقف عن مقارنة بدايتك بنهاية الآخرين.أن تتذكر أن لكل شخص ظروفه الخاصة.أن تعترف بمجهودك حتى لو لم تصل بعد إلى النتيجة التي تريدها.أن تفرح بالخطوات الصغيرة.أن تسامح نفسك على الأخطاء التي ارتكبتها وأنت لا تملك الخبرة التي تملكها اليوم.أن تدرك أن نضجك الحالي جاء أصلًا من تلك التجارب التي تؤلمك ذكراها.تخيل لو أنك تعامل طفلًا يتعلم المشي.هل ستصرخ فيه لأنه سقط؟أم ستشجعه على الوقوف من جديد؟الغريب أننا نفعل مع أنفسنا عكس ذلك تمامًا.نسقط مرة واحدة…فنقضي سنوات نلوم أنفسنا على السقوط.بينما الحقيقة أن التعثر جزء طبيعي من رحلة الحياة.
وفي النهاية…لن يأتي السلام النفسي عندما تصبح بلا أخطاء.ولن تأتي السعادة عندما تصبح شخصًا مثاليًا.بل عندما تدرك أنك إنسان…وأن الإنسان لا يحتاج إلى محكمة دائمة داخل رأسه.يحتاج فقط إلى قدر من الحكمة ليتعلم من أخطائه، وقدر من الرحمة ليواصل الطريق.فأحيانًا…أعظم هدية يمكن أن تقدمها لنفسك ليست النجاح، ولا المال، ولا الإنجاز…بل أن تتوقف عن معاقبتها على ماضٍ انتهى، وتسمح لها أن تبدأ من جديد.والان سؤال يحتاج إلى صدق مع النفس”ما الخطأ الذي ما زلت تعاقب نفسك عليه رغم مرور السنوات؟”
